ميرفت صادق-رام الله

"منذ أربعين عاما أعيش منفية بلندن، لم أستطع أن أسمي نفسي بريطانية يوما، أنا عراقية فقط". بكلمات قصيرة اختصرت الروائية والرسامة هيفاء زنكنة سيرة أديبة في المنفى، فلا هي عادت إلى العراق ولا اعتادت حياة الغرب "كالواقف على العتبة"، على حد تعبيرها.

وزنكنة من مواليد بغداد عام 1950 لأب كردي وأم عربية، سُجنت أوائل السبعينيات من قبل حزب البعث وأفلتت من عقوبة الإعدام، وهربت لاحقا إلى سوريا ولبنان ثم غادرت إلى بريطانيا عام 1976.

وفي أمسية بعنوان "الأدب في المنفى وسؤال الثقافة" برام الله، استعرضت الروائية العراقية -التي شاركت باحتفالية فلسطين للأدب، الخميس الماضي- تجربتها، متتبعة إنتاجها الأدبي والتحولات التي طرأت على حياتها بعيدا عن العراق.

وقدمها الكاتب ورئيس تحرير جريدة الحياة الجديدة الفلسطينية محمود أبو الهيجاء باعتبارها أحد المناضلين والكتاب العرب الذين "لم تتلوث ثقافتهم العربية بالتغريب".

أصدرت زنكنة ثلاث روايات "في أروقة الذاكرة" ثم "مفاتيح مدينة" و"نساء على سفر"، إضافة إلى بحث في تاريخ المرأة العراقية بعنوان "مدينة الأرامل"، ولديها خمس مجموعات قصصية ومساهمات كتابية سياسية واجتماعية.

زنكنة أصدرت ثلاث روايات: "في أروقة الذاكرة" ثم "مفاتيح مدينة" و"نساء على سفر"، إضافة إلى بحث في تاريخ المرأة العراقية بعنوان "مدينة الأرامل"، ولديها خمس مجموعات قصصية ومساهمات كتابية سياسية واجتماعية

ورغم أن المنفى لازمها في عمر مبكر فإن "اللغة العربية" بقيت لغة كتاباتها الإبداعية. وقالت "بقيت أسمع الأصوات كلها بالعربية، بينما ذهبت للكتابة في السياسة والأبحاث باللغة الإنجليزية".

في المكان الضيّق
وفي سردها لتجربة المنفى، تستعير زنكنة مقولة للناقدة المغربية زهور كرم "إن المنفيّ هو من يعيش على العتبة، فلا هو يدخل البيت ولا هو يذهب إلى بيت آخر، هكذا يبقى في مكان ضيق".

ورغم انخراطها في مجتمع الكتاب والحقوقيين بلندن، فإنها تقول "الإحساس الداخلي بقي عراقيا عربيا يريد العودة إلى مكانه الأول"، وهو ما انعكس على أغلب كتاباتها.

وتعتقد زنكنة أن الحنين للوطن والبيت لازم غالبية الكتاب العراقيين الذين عايشوا المنفى، ونموذجهم الروائي غائب طعمة فرمان الذي توفي في موسكو عام 1990، وقد رافقت الشخصيات البغدادية الشعبية أعماله.

وبالنسبة لزنكنة، فقط استندت روايتها الأولى "في أروقة الذاكرة" -التي ترجمت للإنجليزية واعتبرت نموذجا في الكتابة عن تجربة المعتقل- إلى سيرتها الذاتية وتجربتها في العراق.

بعد ذلك تحولت كتابتها في "نساء على سفر" وتناولت قصص أربع نساء عراقيات يعشن في بريطانيا، في محاولة للتعبير عن النزوح نحو الاندماج والاستقرار في بلد المنفى.

وفي مجموعاتها القصصية "بيت النمل" و"ثمة آخر" و"حياة معلبة"، تقول إن شخصياتها تطورت وصار لها حياتها الخاصة، بل بدأت بطرح سؤال إمكانية العودة أو الأمل بالعودة، وخاصة بعد احتلال العراق.

هيفاء زنكنة غادرت العراق بعدما أفلتت من الإعدام وتنشط في الكتابة المناهضة للاحتلال الأميركي (الجزيرة)

وتقول زنكنة إن "المنفى ليس تغيير المكان فحسب، فأحيانا يعيش الإنسان بالنفي في بلده، ولكن الأكثر قسوة هو النفي الإجباري حيث لا تكون قادرا على العودة إلى بلدك، تصبح كمن بترت ساقه أو ذراعه، وتظل تشعر بها فعلا".

لكن بعد أربعة عقود حافلة بالكتابة والعمل السياسي، ترى هيفاء زنكنة أن المنفى لا يعني العجز الكلي، بل العكس، إنه يعطي زخما للمنتج الإبداعي في الكتابة أو الرسم.

عادت الروائية إلى العراق نهاية عام 2003، وفي ذلك الوقت تقول "تعمق الإحساس بالكارثة بعد سنوات من الحصار إلى الغزو ثم التخريب المتعمد للبلد والإنسان والثقافة والهوية العراقية".

الروائية عادت إلى العراق نهاية عام 2003، وفي ذلك الوقت تقول "تعمق الإحساس بالكارثة بعد سنوات من الحصار إلى الغزو ثم التخريب المتعمد للبلد والإنسان والثقافة والهوية العراقية"

حينئذ، تحول الإحساس عند زنكنة وكثير من العراقيين المنفيين من المرارة إلى الغضب الشديد. وفي هذا الوقت أيضا تولدت لديها علاقة غير طبيعية مع بريطانيا التي دعمت احتلال العراق وشاركت فيه، مما زاد العلاقة مع المنفى تعقيدا.

وبعد الاحتلال وجهت زنكنة اهتمامها الأدبي والسياسي لدعم المرأة العراقية كما فعلت في عدة روايات ومساهمات كتابية، وهي تعتقد "أنه ليس بالإمكان تحرير المرأة بدون تحرير البلد نفسه".

وبالإضافة للكتابة عن تاريخ المرأة العراقية وتدهور حياتها تحت الاحتلال، فقد انصب جزء من عمل زنكنة على النشاط مع منظمات المجتمع المدني لاستقدام الدعم لتعليم المرأة وتنميتها.

وساهمت مع ناشطات عراقيات في إنتاج تسجيل صوتي بعنوان "وسلاما عليكِ يا فلوجة" بعدما تعرضت له المدينة من تدمير على أيدي القوات الأميركية عامي 2004 و2005.

واستعارت زنكنة وزميلاتها عنوان العمل من قصيدة للشاعر العراقي الراحل معروف الرصافي صاغها في الأربعينيات ضد الاحتلال البريطاني، وفيها ما يشابه قصة منفاها ثم رفضها للاحتلال: "ما حياة الإنسان بالذل إلا * مرة عند حَسْوِها ممجوجَهْ/فثناءً للرافدين وشكرا * وسلاما عليك يا فَلُّوجَهْ.

المصدر : الجزيرة