أمير العمري*


جاء شابان توأمان من شباب قطاع غزة إلى مهرجان كان السينمائي بفيلمهما الذي اشتركا في كتابته وإخراجه ويحمل عنوان "ديغراديه"، وهي قصة الشعر المعروفة.

الشابان يحملان اسمين هما عرب وطرزان ناصر، لكن هذين الاسمين ليسا اسميهما الحقيقيين، بل هما محمد وأحمد ناصر. وقد صرحا خلال تقديمهما الفيلم، الذي عرض ضمن تظاهرة "نصف شهر المخرجين" التي تنظمها جمعية المخرجين الفرنسيين سنويا في المهرجان، بأن والدهما هو الذي أطلق عليهما اسميهما عندما بدآ يشبان عن الطوق، وأنهما يفخران بذلك.

"ديغراديه" فيلم روائي طويل، وكان محمد وأحمد ناصر قد أخرجا من قبل فيلما قصيرا عرض في مسابقة الأفلام القصيرة بمهرجان كان قبل عامين بعنوان "الواقي الذكري"، وهو فيلم كوميدي طريف في فكرته التي تدور حول معاناة زوجين من سكان قطاع غزة عاجزين عن ممارسة العلاقة الزوجية بشكل طبيعي بسبب القصف والاعتداءات الإسرائيلية المتكررة.

كوميديا اجتماعية
الفيلم الجديد أيضا يصنف على أنه فيلم كوميدي اجتماعي ساخر، يتعامل مع الموضوع السياسي بشكل غير مباشر، ويحاول أن يلمس من خلال مجموعة من النساء الفلسطينيات في غزة عمق الإحساس بانعدام الأمان، والشعور بالقهر تارة بسبب العلاقة مع الرجل، وتارة أخرى بسبب القيود التي أصبحت مفروضة على حركة المرأة في غزة بعد شيوع أعمال العنف والعنف المتبادل بين عصابات مسلحة (أو مافيات) أصبحت تسيطر -كما نرى في الفيلم- على الشارع.

فيلم "ديغراديه" أنجز في مرأب بعمان وتدور أحداثه في صالون حلاقة

ولكن الفيلم يشير أيضا إلى التهديدات الإسرائيلية المباشرة القائمة التي تلقي بظلالها بقسوة على الواقع، وتساعد في خلق وتكثيف تلك الحالة من الفوضى والتشكك وغياب الثقة والتعريض المتبادل والإشاعات.

وتدور معظم مشاهد الفيلم داخل صالون تجميل نسائي تجتمع فيه أربع عشرة امرأة وفتاة، بينهن صاحبة الصالون، وهي امرأة أجنبية جاءت مع زوجها الفلسطيني من أوكرانيا واستقرت في غزة، ولديها ابنة صغيرة لا تفتأ تزجرها وتنهاها عن محاولة الخروج للعب في الشارع، ومساعدتها -وهي فتاة فلسطينية شابة جذابة- ترتبط بعلاقة حب مع شاب فلسطيني يريد أن يتزوجها لكنه ضالع أيضا في أعمال الفرق المسلحة المتصارعة، الأمر الذي يعرضه للخطر في غيبة قبضة أمنية للسلطة هناك.

فسيفساء نسوية
ونجد بين النساء اللواتي يعرضهن الفيلم المرأة المتدينة حدّ التزمت، والمرأة المطلقة المعقدة التي تتحرك بين النساء ناشرة الإشاعات والكلام المغرض عن هذه وتلك، وتحاول الوقيعة فيما بينهن جميعا، والمرأة التي جاءت بصحبة ابنتها لتزيينها قبل حفل زفافها المنتظر. وهناك أيضا المرأة التي ترتبط بعلاقة عاطفية مع رجل ينتظر قدومها إليه -تقوم بدورها الممثلة الفلسطينية الشهيرة عالميا هيام عباس- والمرأة التي تكشف كيف أنها تتعرض بانتظام لاعتداءات زوجها عليها.

الفيلم يتناول العلاقات الإنسانية المفقودة بين النساء، وذلك الغضب المكتوم الذي ينفجر في ظروف الحصار الإسرائيلي الخانق تعبيرا عن رفض الوضع الذي يعشن فيه بأسره

وسط هذا الجو الذي يثقل عليه الوضع الملتهب في الخارج والانقطاع الدائم للتيار الكهربائي، ورنين أجهزة الهاتف المحمول الذي لا يتوقف، وصوت أزيز طائرات الاستطلاع الإسرائيلية من دون طيار التي يمكننا أن نراها تحلق عاليا، تؤدي هذه العوامل إلى التشاحن والتشاجر وفقدان الأعصاب وانفجار الشجار بين النساء المحاصرات داخل صالون التجميل.

ويصل الأمر إلى أن يأتي الشاب المغرم بالفتاة التي تعمل مساعدة في صالون التجميل بأسد حقيقي سرقه من صاحبه، ثم يضعه أمام الصالون في عرض الطريق، ويمد مقعدا يجلس عليه أمام الأسد، في انتظار أن تخرج له حبيبته التي أصبحت ترفض انحرافه في المسار الذي يسير فيه، وأعلنت عن رغبتها في إنهاء علاقتهما رغم ميلها عاطفيا تجاهه.

غضب مكتوم
تحاول النساء بلا جدوى الخروج من وسط هذا الكابوس أو ذلك الحصار الذي ربما يرمز أيضا للحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة، لكن الرجال المسلحين في الخارج يرفضون خروج النساء للشارع، بل يقتحمون الصالون للبحث عن شاب يعتقدون أنه دخل للاختباء فيه، لكن الشاب الذي سحب الأسد بعيدا يتعرض للاختطاف من قبل أفراد جماعة أخرى مسلحة مناوئة، يضعونه هو والأسد داخل سيارة ويبتعدون.

إنه فيلم عن العلاقات الإنسانية المفقودة بين النساء، عن ذلك الغضب المكتوم الذي ينفجر في ظروف الحصار الخانق، تعبيرا عن رفض الوضع الذي يعشن فيه بأسره.

ويوجه الفيلم نقدا شديدا لكل من حركة المقاومة الإسلامية (حماس) ومنظمة التحرير وسياساتهما، ويصب اللعنات على الإسرائيليين الذين يتحملون كل هذه المعاناة، ولكن هناك أيضا لحظات كثيرة من المرح والنكات والحكايات الطريفة التي تكشف عن الوجه الإنساني للمرأة الفلسطينية في غزة، أو أن هذا على الأقل ما كان يطمح إليه مخرجا الفيلم.

تكرار وتشابه
ليس من الممكن تجاهل تأثر صناع هذا الفيلم بالفيلم اللبناني "سكر بنات" (2008) لنادين لبكي، سواء في اختيار الموقع الأساسي للحدث (أي صالون التجميل) أو في استخدام النساء للتعبير عن الوضع العام في الخارج، والمزج بين الدراما والكوميديا، وبين الطابع التسجيلي والدرامي.

الفيلم يوجّه نقدا شديدا لكل من حماس ومنظمة التحرير وسياساتهما، ويصب اللعنات على الإسرائيليين الذين يتحملون كل هذه المعاناة

ولكن هذا الفيلم يفتقر تماما إلى القدرة على تطوير الحدث دراميا، ويكتفي فقط باستعراض النماذج المختلفة دون أن يصل في أي لحظة إلى ذروة درامية، ودون نهاية مشبعة للمتفرج.

كما يعيب الفيلم التكرار والحشو والاستطرادات وتشابه بعض الشخصيات، وهامشية البعض الآخر إلى حد الوجود الشكلي فقط، وعزل الحدث داخل الديكور الواحد مع غياب القدرة على الاستفادة من تفاصيله التي بدت فقيرة من الناحية البصرية.

ويغيب في المشاهد الانتقال المحسوب بين الداخل والخارج، بل أصبح الخارج مجرد ضجيج وضوضاء وعراك، دون تسليط الضوء على الخلفية الشخصية للنساء، من أجل تعميق الشخصيات ومنحها ملامح أكثر إنسانية ووضوحا، ومنح البناء السينمائي عمقا وثراء، ولا تُفهم قصة الأسد، من أين جاء؟ ولماذا؟ وما أهمية وجوده في الفيلم؟!

صور نمطية
لا شك في وجود لمسة كوميدية تتمثل في طرافة بعض ما تقوله شخصية المرأة، مدمنة المخدرات، التي تتحرك تحت تأثير المخدر وتبدو في حالة "هلوسة" مستمرة، تتلصص على الأخريات، وتحاول الوقيعة بينهن.

وقد قامت منال عوض بدورها ببراعة، لكن الفيلم بشكل عام يفتقد للتحكم في الإيقاع، بل يهبط إيقاعه بعد مرور نصف ساعة ويسقط في الرتابة والتكرار، كما يعاني الإخراج من فقدان البوصلة أو الرؤية من خلال "عين سينمائية" يمكنها الاستفادة من تباين الشخصيات، ومن تفاصيل أخرى في المكان ربما تكون قد غابت بسبب فقر الديكور.

الممثلة الفلسطينية هيام عباس في مشهد من فيلم "ديغراديه"

ويزدحم الفيلم بالشخصيات التي كان يمكن التخفف من بعضها، حتى تصبح التكوينات البصرية في اللقطات أكثر دقة وجمالا، وهي التي جاءت مزدحمة، عشوائية إلى حد الفوضى أحيانا.

الفيلم بدا محمّلا بالكثير من القوالب والصور النمطية والحوار المسرحي الثقيل، كما كشف الفيلم أيضا ضعف قدرة المخرجين في اختيار الزوايا واللقطات

وبدا الدور الذي أسند للممثلة الفلسطينية المرموقة هيام عباس هامشيا سطحيا لم يستفد من قدراتها التمثلية الكبيرة، بل جعلها تبدو ضائعة وسط حشد النساء في الفيلم.

صحيح أن الفيلم تجربة أولى في الفيلم الروائي الطويل للمخرجين الشابين الطموحين، وصحيح أنه أنجز بميزانية متواضعة، ودار تصويره في مكان بدائي (مرأب للسيارات في عمان) تم تحويله إلى ديكور صالون تجميل لتصوير الفيلم، لكن المشكلة الرئيسية تكمن منذ البداية في السيناريو الذي لم ينجح في تطوير الحدث، وجعله أكثر تعبيرا عن "المأزق" الفلسطيني من خلال خصوصية معاناة المرأة الفلسطينية.

وجاء الفيلم محملا بالكثير من القوالب والصور النمطية والحوار المسرحي الثقيل، كما كشف الفيلم أيضا ضعف قدرة المخرجين في اختيار الزوايا واللقطات وجعلها تبدو أكثر انسيابية وسلاسة عند القطع، وهي أيضا مشكلة تتعلق بالتعاون بين المخرجين ومدير التصوير الفرنسي إريك ديفين، والمونتيرين صوفي رين وإياس سلمان.
______________

* كاتب وناقد سينمائي

المصدر : الجزيرة