عبد الله الرفاعي-البصرة

قبل أن ترى مجموعته النور، رحل القاص العراقي محسن الخفاجي تاركا خلفه "حمامة القنصل"، آخر مجاميعه القصصية التي كتبها أثناء اعتقاله على يد قوات الاحتلال الأميركي وإيداعه سجن "بوكا" السيئ الصيت.

رحل محسن الخفاجي، فيما كانت دار مقهى للطباعة والنشر -وهي دار عراقية- تضع اللمسات الأخيرة لطباعة المجموعة.

ويقول صاحب الدار الكاتب العراقي المغترب حيدر عودة عن حكاية طباعتها "في بداية عام 2013، التقيت القاص محسن الخفاجي في مدينة الناصرية، وحدثني عن مجموعة قصصية كتبها عن تجربة السنوات الثلاث، التي قضاها معتقلا في سجن (بوكا) في مدينة البصرة، والذي كان يدار من قبل القوات الأميركية".

وطأة الذكريات
ويضيف عودة "لربما لم يتسن لمحسن الخفاجي أن يراجع مجموعته لوقت أطول، فقد أراد باعتقادي أن يتخلص من وطأة ذكريات السجن وتفاصيله المؤلمة التي عاشت معه لوقت طويل، كذلك أراد لهذه الحكايات أن تنتهي وتتلاشى، لينعم بيوم جديد بلا حراس يصرخون طوال الوقت أو جنود متأهبين لإطلاق النار في أية لحظة".

تمثل "حمامة القنصل" وثيقة أدبية عن أشهر السجون الأميركية في العراق، دونت بقلم كاتب عراقي عاش تفاصيل محنة السجن، ورغب بشدة في إعادة صياغتها في نص أدبي يشهد على تلك التجربة

وتابع عودة "من سيقرأ قصص المجموعة عليه أن يتخيل الجحيم الذي عاشه قاص عراقي، وتحمله لسنوات ثلاث قاسية، قد وثّق فيها طبيعة الحياة في سجن يديره محتل، وتسيطر عليه مجموعات مختلفة في الانتماء والتفكير، فبين من هو معتقل لأسباب واهية، وبين من كان بمنصب وزير في النظام السابق، وجد محسن الخفاجي -الوديع والمسالم- نفسه وسط ذلك الصراع، بين سجّان وسجين قاده سوء طالعه مع آخرين ليس بينهم أي علاقة سوى الصفة التي يحملونها جميعا: سجين".

وعن سبب طباعة "حمامة القنصل" عقب رحيل كاتبها، يقول الأديب والناقد أحمد ثامر جهاد إنه "بعد اطلاعنا على هذه القصص وجدنا أنها تمثل وثيقة أدبية عن أشهر السجون الأميركية في العراق، دونت بقلم كاتب عراقي عاش تفاصيل محنة السجن، ورغب بشدة في إعادة صياغتها في نص أدبي يشهد على تلك التجربة، فيما يستعيد فصولا مريرة من واقع تجربة سجن الاحتلال السيئ الصيت".

ويتابع جهاد قائلا إن الأديب الراحل محسن الخفاجي سعى إلى أن يقول كلمته عن تجربة استثنائية تفرد بها، كأديب عراقي يتعرض للاعتقال من قبل القوات الأميركية عشية الحرب على العراق.

وثيقة أدبية
وأضاف جهاد بالقول "إحساسه الدائم بالخطر الوشيك، نفسيا وموضوعيا قاده إلى كتابة "حمامة القنصل"، وكان يأمل أن تكون شهادة حية عن تجربة لم يعشها سواه من الأدباء والكتاب العراقيين".

صوت القاص محسن الخفاجي ظل هو الراوي، والبطل المحوري، والضحية أيضا على طول الخط، تدور الأحداث كلها داخل سجن "بوكا"، والمعتقل بدا ضائعا بين تحقيق وآخر

وقال جهاد "ربما دوّن بعضها على عجالة وفي ظل ظروف قسرية لم تكن مأمولة لكاتب شغوف بأناقة ما يكتب، كان هاجسه صادقا إلى حد كبير في أن الوقت لن يمنحه فسحة كافية لرونقة حكاياته كما ينبغي، لكنه بكل الأحوال أوفى بحقها كشهادة عن زمن عراقي مضطرب، متسارع في أحداثه، أقل ما يمكن أن يقال بحقه، إنه عصيب وعصي على الفهم".

وعن طبيعة القصص يقول جهاد "في كل قصص المجموعة، ظل صوت القاص محسن الخفاجي هو الراوي، والبطل المحوري، والضحية أيضا على طول الخط، تدور الأحداث كلها داخل سجن "بوكا"، والمعتقل -محسن الخفاجي- بدا ضائعا بين تحقيق وآخر، فاقدا الأمل بالخروج من المعتقل، وبعد كل مرة يعود فيها لخيمته ممتلئا بخيبة أخرى، ثم يبدأ يوما جديدا وحدثا آخر".

وعن حياة القاص الخفاجي وسيرته يقول زميله الناقد علي شبيب ورد إن "هذا السارد الفطن الخبير في تشكيل عوالمه القصصية والروائية عاش حياة لا تخلو من ضراوة، ومن عراقيل قاهرة منعت مجايليه عن مواصلة الكتابة، وعلى عينيه كانت ترتسم فوضى بلاد تباعد بين أبنائها والفرح".

المصدر : الجزيرة