نزار الفراوي-الرباط

في معرض يقيمه الرسام والفنان البصري الفلسطيني منذر جوابرة بالعاصمة المغربية الرباط، تشكل الكوفية الفلسطينية موضوعا رئيسيا تتمحور حوله المقاربة الفنية لهذا المبدع ذي الرؤية التجريبية الجريئة، والذي يتوخى النظر الى ما أبعد من أسطورة هذه الأيقونة الفلسطينية وربطها بالتحولات السياسية والاجتماعية التي عرفتها الأرض المحتلة.

يقترح المعرض الذي تحتضنه فضاءات دار الفنون بعنوان "ما يعرف" والمقام في الفترة ما بين 10 يونيو/حزيران الجاري و26 يوليو/تموز المقبل، تشكيلة من اللوحات التي تتجاوز البعد التصويري أو الاحتفالي بالكوفية، ليسائل من خلالها مسارات مفصلية في مأساة الشعب الفلسطيني وكفاحه من أجل الحرية.

هي ذاتها الكوفية قناع البطل "الملثم"، وهي أيضا عنوان الصورة النمطية للفلسطيني -والعربي بصفة عامة- "الإرهابي" في التمثلات الإسرائيلية والغربية، لكنها بالأساس علامة هوية لا تحجب الحقيقة الإنسانية العادية التي يحملها أناس يعيشون يوميات بشرية رتيبة كغيرهم من البشر، وإن في ظروف خاصة.

مظهر وباطن
رجل الكوفية يبدو في لوحات منذر وهو يحمل باقة ورد، متأنقا في بذلة عصرية، وهو يسامر أقرانا له.. هي وضعيات بقدر ما تنتج خطابا داعيا إلى التفكير في هذا المظهر الخارجي التقليدي التراثي خارج الصور النمطية السهلة، تكتسي غالبا وجها ساخرا وكاريكاتيريا وتوجِد آصرة "وراثية" ولو خفية بين الفنان من جيل الانتفاضة وبعدها و"الأب الرمزي" المتمثل في الراحل ناجي العلي.

الكوفية موضوع رئيسي في أعمال منذر جوابرة (الجزيرة نت)

وعن محور "ما وراء الكوفية" في المعرض، تكتب الناقدة دانا لورش أن الفنان -الذي ترعرع في مخيم لاجئين- نظر إلى المقاومين الفلسطينيين كأبطال حقيقيين في كتاب كوميدي، ولاحقا كشخص راشد ينظر جوابرة إلى الرجولة الفلسطينية ويتساءل: أين ذهب رجل الكوفية؟ وكيف يراه الشارع الفلسطيني حاليا؟

كان المقاتل الفلسطيني خلال الانتفاضة الأولى يتوشح الكوفية خوفا من أن تتعرف عليه المخابرات وتعتقله، وبالتالي أصبحت الكوفية رمزا للمقاومة.

وفي أعقاب انهيار اتفاق أوسلو، ساوى الإعلام الغربي بين ظهور المقاومين بالكوفية والإرهاب. هكذا تشكلت نزعة الوصم التي يتصدى لها الفنان الفلسطيني برؤيته الخاصة حيث السخرية المستفزة للسؤال والتمحيص، والمفتوحة على التأويل.

هو وعي حاد بالزمن السياسي وإنصات رهيف لحركة التاريخ، لذلك يبدو واضحا أن هذا الفنان حامل رؤية عميقة لدور الفن الذي لا يعتبره صانعا مباشرا للسعادة، ولكنه بالتأكيد مرجع أساسي لاستمرار جذوة الأمل والتطلع إلى المستقبل وإنتاج الوعي بطبيعة المآزق الراهنة لشعب تحت الاحتلال.

البراءة أولى الضحايا
ويشتغل جوابرة على أساس مشاريع فنية تثمر مجموعات إبداعية تتسم بحضور قوي لهمّ اللحظة السياسية ودراميتها، دون السقوط في خطابات فنية مباشرة وضحلة على المستوى الجمالي.  

منذر جوابرة: المقاومة لا تقتصر على العنف كتعبير عملي لرفض الواقع (الجزيرة نت)

في محور آخر من المعرض، أكثر حساسية درامية، يستدعي الفنان وجوه الصغار الذين سحقتهم تحت الأنقاض أو في مرمى النيران آلة العدوان الإسرائيلية خلال الهجمة الأخيرة على قطاع غزة، مشروع يتجاور فيه البعد التوثيقي مع الفني التعبيري. 

فعلى مدى ستة أشهر، انتقى الفنان صور أكثر من ثمانين طفلا قضى في العدوان.. صورهم أيام كانوا يحيون، يلعبون ويحلمون.. صور لابتسامات حصدها قرار سياسي مجرم وطلقات حربية سادية، واتخذت هذه الوجوه مكانها موزعة على فضاء اللوحات، لتشكل بورتريهات للذكرى وللتأمل أيضا.

إنها لوحات تحمل عنوان "آخر صورة"، وتؤثث خلفيتها الحاضنة للوجوه الباسمة أزهار الياسمين، وهو اختيار واع للنبتة الفواحة بالعطر، لكنْ الهشة والقابلة للتلف السريع.

ينصرف منذر جوابرة في محور آخر إلى آفاق أكثر كاريكاتيرية وسخرية مرة، حيث يوجه سهام النقد إلى مخاضات الانتقال من حال المناضل الثوري إلى حال الممارس للسلطة، حيث لا تذهب المواطَنة ضحية الاحتلال فقط بل أيضا ضحية السلطة المحلية التي انبثقت من صلب الكفاح ليرتد عنفها وروحها العسكرية إلى شعبها.

فن ومقاومة
ونشاهد لوحة يظهر فيها مواطن مستكين بوجه "بهيمي مستهان" يركبه عسكري، وهناك يبدو العسكري يلعب حصة شطرنج مع مواطن مسكين، وبيادق الرقعة عبارة عن أسلحة موجهة إلى صدره.

إحدى لوحات الفنان منذر جوابرة (الجزيرة نت)

وتلخيصا لمشروعه الفني، يقول منذر جوابرة -الفنان الذي يجمع بين الرسم والتصوير وفن الفيديو- إن "المقاومة فعل إنساني يأتي استجابة لتحديات وتهديدات يعيشها الكائن، والمقاومة السياسية تأتي ردّ فعل واعيا تجاه تحديات لظروف سياسية تحيط بالإنسان".

ويؤكد جوابرة أن "الفعل المقاوم لا يقتصر على العنف كتعبير عملي لرفض الواقع، بل هو حالة من الوعي الرافض تتجذر بالبناء الذهني والنفسي والفكري والروحي، ومن ثم تتمظهر في أشكال مختلفة من التعبير عن الرفض والتحدي والحلم والأمل بالحرية وصيانة الهوية وتحقيق الذات الوطنية".

ويضيف ابن مخيم العروب المقيم في بيت لحم، أنه اجتهد خلال السنوات الخمس الماضية في بحث مفهوم المقاومة السياسية، وقدم أعمالا فنية بصرية استهدفت بالتحليل واقع المقاومة الشعبية الفلسطينية وتحولاتها ضمن خارطة بيانية ساهم في رسمها الحراك السياسي على أرض فلسطين منذ الانتفاضة الفلسطينية الأولى، ومن ثم مؤتمر أوسلو وما تمخض عنه من متغيرات في الواقع السياسي الفلسطيني، وصولا إلى الانتفاضة الفلسطينية الثانية.

المصدر : الجزيرة