ناصر يحيى -صنعاء*

عندما ضربت الطائرات الصهيونية المطارات العربية النائمة في العسل صباح الخامس من يونيو/حزيران 1967، كان أحد ضحاياها غير المباشرين الشاعر العربي المعروف نزار قباني، الذي كان هو الآخر نائما في العسل وإن على طريقته الخاصة!

فمنذ 1958 زمن آخر قصائده الوطنية، ظل نزار غارقا في مساحة شعرية تدور بين شفاه المرأة وشعرها، وصدرها ونهديها وسريرها، لا يخرج من غرفة إلا ليدخل غرفة أخرى، ولا يغادر امرأة حتى يسقط على أخرى.. فلما كان صباح المأساة الأكثر ذلا في التاريخ العربي، وجد نزار نفسه مكشوفا كالمطارات.. مستباحا كالطائرات.. محتلا كسيناء والجولان والضفة وغزة.

الهوامش الفاضحة
كان نزار قباني  من رموز مدرسة "أدب الفراش" -على رأي عباس العقاد- ومع ذلك كان أسرعهم إفاقة من الصدمة، ليتحول فورا إلى سكين ينغرز في كل مكان من الجسد العربي، مشوبا بقدر كبير من الألم والعشوائية وهو يشخص الأمراض التي أوصلت الأمة العظيمة إلى هذا الدرك المنحط.

وكانت الثمرة ديوانه السياسي الأشهر "هوامش على دفتر النكسة" الذي انتشر كالنار في الهشيم في دنيا أمة وجدت نفسها فجأة تستيقظ على فاجعة هزيمتها المذلة، وهي التي نامت على أغاني النصر وهدير أحمد سعيد في "صوت العرب" يبشر بتحرير فلسطين خلال ساعات!

من السهل لقراءة متأملة في هوامش نزار أن نكتشف أنها كانت بركان شاعر انفجر في ليل بهيم فاحرق أمامه كل شيء.. وأن الشاعر لم يكن قادرا يومها على تحديد الأسباب الحقيقية للهزيمة

وبالنظر للحالة الشعرية التي كان عليها نزار الشاعر قبل الهزيمة، فلم يكن منطقيا أن تأتي هوامشه خالية من شطط الشعراء الذين في كل واد يهيمون، وصحيح أنه سرد عددا كبيرا من مظاهر الأزمة الحضارية التي تنخر في الأمة مثل:

"إذا خسرنا الحرب لا غرابَه/ لأننا ندخلها بكل ما يملكه الشرقي من مواهب الخطابه/ بالعنتريات التي ما قتلت ذبابه/لأننا ندخلها بمنطق الطبلة والربابه".

أو كقوله:

"كلفنا ارتجالنا/خمسين ألف خيمة جديده"!

أو قوله:

"ما دخل اليهود من حدودنا/وإنما../ تسربوا كالنمل من عيوبنا".

مع كل ذلك، إلا أنه من السهل لقراءة متأملة في هوامش نزار أن نكتشف أنها كانت بركان شاعر انفجر في ليل بهيم فاحرق أمامه كل شيء.. وأن الشاعر لم يكن قادرا يومها على تحديد الأسباب الحقيقية للهزيمة الشاملة التي لحقت بالأمة، فاختلطت عنده المظاهر بالأسباب، وتناثرت الاتهامات عشوائيا وطائشة.

وحتى هو نفسه عاد بعد سنوات ليتمثل بعض مظاهر الهزيمة التي سبق أن انتقدها، بل دمرها كما يفعل الثور الهائج في متحف من زجاج.

وباستثناء الهامش رقم 17 الذي كشف بأدب ملفت للنظر أحد الأسباب الحقيقية للهزيمة وهو قوله:

"لو أحد يمنحني الأمان/ من عسكر السلطان/ قلت له: يا حضرة السلطان/ لقد خسرت الحرب مرتين/ لأنك انفصلت عن قضية الإنسان".

باستثناء ذلك، فقد طاشت الهوامش تجلد الجميع دون تمييز جلدا قاسيا، وتغرق في المظاهر وتنأى عن الأسباب الحقيقية للهزيمة.

حرب ضد الماضي
والغريب أن مجمل الهوامش النزارية تكاد تتعامل مع الهزيمة وكأنها مصيبة أنظمة محافظة تقليدية غارقة في الماضي، متجاهلا أن نظامين على الأقل من الأنظمة العربية المهزومة كانا في ذروة الراديكالية اليسارية، وهما نظاما مصر الناصري وسوريا البعثي.

وحتى النظام الأردني رغم قشرته المحافظة فإنه كان بعيدا عن التهم التي وجهها نزار لأنظمة الهزيمة مثل قوله:

"أنعى لكم، يا أصدقائي، اللغة القديمه/ والكتب القديمه/ أنعى لكم/ كلامنا المثقوب كالأحذية القديمه/ ومفردات العهر والهجاء والشتيمه".

أو قوله:

"خمسة آلاف سنه/ ونحن في السرداب/ ذقوننا طويله/ نقودنا مجهوله/ عيوننا مرافئ للذباب".

الغريب أن مجمل الهوامش النزارية تكاد تتعامل مع الهزيمة وكأنها مصيبة أنظمة محافظة تقليدية غارقة في الماضي، متجاهلا أن نظامين على الأقل من الأنظمة العربية المهزومة كانا في ذروة الراديكالية اليسارية: مصر الناصرية وسوريا البعثية

وبغض النظر عن أن نزار الشاعر كان داخلا في بعض ما اتهم به غيره، فإن الصواب جانبه تماما وهو يتحدث عن خمسة آلاف سنة من عمر الأمة ويزعم أنها كانت زمن تخلف وجهل وقذارة، أو أن اللغة القديمة والكتب القديمة كانت من أسباب الهزيمة وضحاياها.

هذه تنفيسات ذاتية لشاعر ضبط متلبسا عاريا على سرير المتعة وبلاده تنهزم أمام عدوها التاريخي المتربص بها، شاعر يجيد هدم كل شيء، وليست رؤى مثقف صادق قادر على وضع النقاط على الحروف، وتشخيص الأزمة تشخيصا سليما خاليا من العشوائية والانفعالات المؤقتة، وأن يكون فنار نجاة ورائدا لأهله في المحن.

سوف يلاحظ القارئ للأعمال السياسية الكاملة لنزار قباني أنه انقلب على أبرز تشخيصاته للهزيمة، ربما بسبب أن الهوامش كانت نفثات مصدوم استيقظ والعدو يحتل بيته. أو ربما هي أحد مظاهر الداء الوبيل الذي يسكن كثيرا من الشعراء كما جاء في القرآن الكريم "... ألم تر أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا يفعلون".

عبق الأندلس
وفي زمن متأخر، سوف نرى نزار الذي أدان زمنه بأنه زمن الكذب والتخلف والقهر هو الذي يمدح الفترة نفسها وهو يرثي طه حسين:

"عد إلينا.. فإن عصرك عصر/ ذهبيّ.. ونحن عصر ثاني/ عد إلينا.. فإن ما يكتب (اليوم!)/ صغير الرؤى.. صغير المعاني".

أما في رثائه للرئيس المصري جمال عبد الناصر، فهو ينقض كل ما قاله عن الذل والفشل والعار، وعن الاستبداد والسلطان الذي انتهك كرامة الإنسان:

"زمانك بستان.. وعصرك أخضرُ/ وذكراك عصفور في القلب ينقرُ/ دخلت على تاريخنا ذات ليلة/ فرائحة التاريخ مسك وعنبرُ/ وكنت فكانت في الحقول سنابلٌ/ وكانت عصافير.. وكان صنوبرُ".

القارئ لأشعار نزار يكتشف قصائد كلها تمجيد لزمن الأندلس، وحنين لمجد العرب وحضارتهم فيها، وفخر ببطولات بني أمية وطارق بن زياد وعقبة بن نافع، رغم كل البغض لخمسة آلاف سنة في السرداب والكتب واللغة القديمة

وفي قصيدة أخرى يقول:

"وعندما يسألنا أولادنا/ من أنتم؟/ في أي عصر عشتم؟/ في عصر أي ملهم؟/ في عصر أي ساحر؟/  نجيبهم: في عصر عبد الناصر/ الله.. ما أروعها شهادة/ أن يوجد الإنسان في زمان عبد الناصر".

نزار الذي هاجم اللغة القديمة والمفردات والكتب القديمة، وعاب التعلق بالماضي، لجأ بعد سنوات إلى بعض منها وهو يبكي الحاضر.

فحتى سيف عمر، وصلاح الدين، وخالد بن الوليد، ومعاوية والأمويون استدعاهم عدة مرات بحنين وشوق لمجدهم. والكتب القديمة التي لعنها عاد يمتدحها كما فعل مع رسالة الغفران للمعري، وشعر المتنبي والشريف الرضي وحسان، وامتلأت قصائده بالأمثال الجميلة على طريقة القدماء، والوقوف على الأطلال والتغزل بالظباء، وكم رصّع قصائده بأسماء ميسون ونوار وبلقيس!

وفي حنايا الديوان سوف يجد القارئ مجموعة قصائد سبقت الهزيمة كانت كلها تمجيد لزمن الأندلس، وحنين لمجد العرب وحضارتهم فيها، وفخر ببطولات بني أمية وطارق بن زياد وعقبة بن نافع، رغم كل البغض لخمسة آلاف سنة في السرداب والكتب واللغة القديمة! 
______________

* كاتب وصحفي يمني

المصدر : الجزيرة