هيثم حسين

يصوّر المصري محمد المنسي قنديل في روايته "كتيبة سوداء" صفقات ملوثة بدماء الأبرياء يعقدها تجار بشر، يتبادلون غنائمهم كأنهم بضائع، ويكيدون لبعضهم الدسائس والمؤامرات.

وينتقل قنديل من عالم التجارة إلى عالم السياسة، ليبرز أن الصفقات السياسية أكثر تلوثا من صفقات التجار، أو هي صورة مطورة عنها وعلى نطاق أوسع وأكبر، كمنح بلاد كاملة من قبل إمبراطور لإمبراطور آخر مقابل معاهدات واتفاقات معينة.

ويشير قنديل في روايته -التي نشرتها دار الشروق (2015) والمختارة ضمن اللائحة الطويلة لجائزة البوكر 2016- إلى التوازنات والتحالفات في العالم الذي كان يشهد بداية تحول كبرى في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حيث الأساطيل والبوارج تجوب البحار والمحيطات باحثة عن حصص دولها من الثروات العالمية، وصراع القوى العظمى كان مستعرا بينها، فتتقاسم القارات والدول وكأن لا خيار للشعوب في تقرير مصيرها، أو كأن امتلاك القوة يبيح لها امتلاك البشر وقراراتهم وحيواتهم ومصائرهم.

أباطرة وملوك وسلاطين، رجال دين وتجار، جنود ومحاربون، سادة وعبيد، ثوار ومغامرون، عشاق ومجانين، وغيرهم من الشرائح والفئات الاجتماعية تشكل الفسيفساء المنوع في رواية قنديل (ولد عام 1949)، وهي عبارة عن رسم بانورامي جغرافي وتاريخي للحقبة التي يقاربها ويصف مجرياتها ووقائعها، وهي السنوات الممتدة بين العامين 1863 و1867م، التي حفلت بالكثير من المتغيرات على الصعيد العالمي.

القوة الملعونة
يبدأ صاحب "يوم غائم في البر الغربي" روايته بالعودة إلى أعماق غابات أفريقيا، إذ يحصل التاجر النخاس "ود الزبير" على مجموعة من العبيد، يبادلهم ببضعة بنادق ويغري سلطان قبيلتهم بالقوة الملعونة التي يمكن أن يكتسبها من خلالها، وإمكانية توسيع سلطنته وسيطرته لتشمل القبائل المجاورة، لأنه سيمتلك أسلحة حديثة تفتك بأعدائه، وتحميه منهم. وتعمي القوة الموعودة المتمثلة بخمسة بنادق سلطان القبيلة، فيقرر دفع أربعين من رجاله مقابلها، وهو ما يفتت بنية قبيلته التي سيحاول ترميمها بالقوة المكتسبة تاليا.

"الكتيبة السوداء" تشير إلى أولئك العبيد الذين يشكلون عصب الجيش الصغير الذي يساهم إلى جانب القوات الفرنسية في السيطرة على المكسيك لصالح الإمبراطور مارك، فيجدون أنفسهم في حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل

يسبر قنديل بروايته في مسارين منفصلين بداية لا يلبث أن يقاطع بينهما ويضعهما في مسار موحد. المسار الأول يكون عبارة عن تصوير لعالم القاع والمهمشين والخدم عبر اقتفاء أثرهم من عمق الغابة إلى جبهات الحروب، مرورا بالمراحل القاسية التي مروا بها في رحلة التشريد والضياع، ومشاركتهم أسرة سادتهم معهم تاليا.

والمسار الثاني يكون اقتفاء لسير ملوك وأباطرة وقادة يرسمون خريطة العالم الجديد، ولا يكترثون للأرقام البشرية التي تضيع أثناء استكمالهم لمشاريعهم وحروبهم.

يتفق الإمبراطور الفرنسي نابليون مع بعض القادة العثمانيين في مصر لنقل مئات المقاتلين إلى المكسيك التي يقوم بتسليمها لمارك، وهو أخو الإمبراطور النمساوي ليوبولد، ويكون مارك برفقة زوجته الشابة شارلوت مترددا في قبول الصفقة، لأنه يخشى من تبعاتها، خاصة أنه سيضطر للتنازل عن حقوقه في عرش النمسا، وسيبتعد عن مرابع طفولته وصباه، وسيتعامل مع أناس غرباء لا يعرف عنهم شيئا، والأدهى أنه سيكون مدينا لنابليون الذي ينصبه ويطالبه بمبالغ كبيرة من النقود جراء تطويب تلك البلاد باسمه، وإعلانه إمبراطورا عليها.

وتشير "الكتيبة السوداء" إلى أولئك العبيد الذين يشكلون عصب الجيش الصغير الذي يساهم إلى جانب القوات الفرنسية في السيطرة على المكسيك لصالح الإمبراطور مارك، فيجدون أنفسهم في حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، يموت قسم منهم فيها يحاربون بشراسة وضراوة منقطعة النظير دفاعا عن حياتهم، ويحترفون القتل والقتال، ويصلون إلى درجة من الاحتراف كأنهم رجال آليون، وذلك في ترميز إلى انتزاع الرأفة من قلوب المحاربين والإلقاء بهم في مواقع وجبهات لينتقلوا من خدمة سيد إلى آخر، بحيث يتغير السادة وتستمر العبودية.

يرسم قنديل عشرات الشخصيات التي تساهم بقسطها في الرواية، ذلك أن تشعب الأحداث وتنوع العالم فرضا نوعا من الثراء بالنسبة لحضور الشخصيات، فكل مكان يصوره يعج ببشر يؤدون مشاهد حياتية عابرة وينتمون إلى لحظتهم، يتجاوزهم بعد ذلك إلى آخرين في أمكنة أخرى، ويركز أثناء ذلك على شخصيات بعينها بعد أن يترك الأخريات في مهب النسيان.

عاشق الحرية
العاصي هو العبد الأسود الذي يتحدى النخاس بداية، ويحاول الهرب فيصيبه بحار النخاس في رجله بطلقة، ثم يسعفه بعد ذلك ويمنحه اسم العاصي، ويتحول بعد ذلك إلى قائد لمجموعته، يقودهم في المعارك، ويتحدى المشقات والمهالك التي يمر بها، ابتداء من أرض السودان إلى مصر وإبحاره بعد ذلك إلى المكسيك، ثم محاربته هناك، واختيار الإمبراطورة له ليكون مرافقها وحارسها، ثم اتخاذه عشيقا من قبلها، وصولا إلى دوره في الثورة الفرنسية وأحداث الكومونة 1867.

قنديل يُصوّر في روايته قصص الحب والحرب والعنف والثورة والأمل والحلم والجنون والجشع والتشتت والضياع، ويرمز من خلال المصائر التي يرصدها لأبطاله اللعنات التي تحل عليهم

ويختصر العاصي سيرة عاشق الحرية الذي يستطيع تحطيم قيوده، وتغيير مصيره من خادم مذلول إلى ثائر يضحي من أجل حريته وحرية الآخرين الذين يشعر بأخوتهم، بعد أن يعيش المرارات والأحلام معهم، وبعد أن يمر بكثير من التجارب التي تصقل شخصيته، ويكون قد وصل إلى درجة من إتقان اللغة الفرنسية فيغدو أحد قادة الثورة الميدانيين، ويقضي في سبيل حلمه بالحرية ورهانه عليها.

وهناك "جوفان" الذي يتعلق بامرأة في المكسيك، فينجب منها ابنه الذي يختم بمشهد ولادته الكاتب روايته، وهو المشهد الذي يرمز من خلاله إلى كسر بطله لقيوده، وتجاوزه لمحنه، وبلوغه درجة من الشجاعة والوعي لمواجهة مستقبله، بعد أن يضحي في سبيل زوجته وحياته، ولا يحاول النظر إلى ماضيه، بل يركز على مستقبله ويدفع طفله لتنشق عبق الحرية، كما يسعى إلى إبقائه في أرضه المضمّخة بدماء كثير من الأعراق والديانات والشعوب.

ويصور قنديل في عمله قصص الحب والحرب والعنف والثورة والأمل والحلم والجنون والجشع والتشتت والضياع، ويرمز من خلال المصائر التي يرصدها لأبطاله اللعنات التي تحل عليهم، كجنون الإمبراطورة ومقتل زوجها، وتبدد الإمبرطوريات وقيام جمهوريات على أنقاضها، وكيف أن كل واحد من الشخصيات يدفع ضريبة أفعاله، ثم كيف أن مصير الأباطرة وخدمهم يتشابه في كثير من الأحيان، وأن المأساة الإنسانية تجمع بينهم في مرحلة أو أخرى، ويحكي كثيرا من صور الهدر الإنساني المتكررة بصيغ شتى وفي أمكنة وأزمنة مختلفة.

يخوض صاحب "أنا عشقت" في أرض تعد جديدة نسبيا في الرواية العربية، ويبرز أن قانون الغابة يظل سائدا حتى في المجتمعات التي تعد نفسها متحضرة ومعاصرة، ويعود إلى تاريخ العالم في تلك الحقبة ليستقي منه العبر، ويختار التداخلات والتقاطعات بين الشرق والغرب لينطلق في معالجته المميزة، ويبحر في تلك الأراضي والجغرافيات، ناسجا منمنمة روائية ثرية انطلاقا من تفاصيل تاريخية كثيرة، هي نتاج جهد كبير، واطلاع واسع، وخبرة حياتية طويلة.

المصدر : الجزيرة