أشرف رشيد-موسكو

يبعث قرار روسيا بمنع عرض الفيلم الأميركي "الطفل 44" للمخرج دانييل اسبينوزا على الاعتقاد بأن المواجهة بين روسيا والغرب امتدت إلى المجال الثقافي والفني، ولا سيما أن الفيلم يأتي بعد أقل من عام من فيلم "ليفيافان" الذي أثار استهجانا روسيا وإشادة غربية. 

فقد منعت وزارة الثقافة الروسية عرض الفيلم "الطفل 44" قبل يوم واحد من طرحه المفترض في دور السينما، مبررة قرارها بأنه يشوه حقائق تاريخية عن الحقبة السوفياتية، ولا سيما أن عرض الفيلم جاء قبيل الاحتفالات بالذكرى السبعين لانتصار الاتحاد السوفياتي على ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية.

وبعد القرار الروسي، اتخذت كل من روسيا البيضاء وقرغيزستان وكازاخستان وأوكرانيا وأوزبكستان وجورجيا قرارات مشابهة.

استغلال الانفتاح
واعتبر وزير الثقافة الروسي فلاديمير ميدينسكي أن الفيلم "مُضلل"، ودعا المواطنين الروس لصياغة رؤيتهم الخاصة لتاريخهم باعتبارهم ورثة الحضارة السوفياتية العظيمة -حسب وصفه- وأوصى المواطنين بالتوقف عن الانفعال أمام المسائل التاريخية المعقدة والتوقف عن النظر إلى الذات بنظرة نقدية.  

وزير الثقافة الروسي اعتبر فيلم "الطفل 44" مسيئا لروسيا (أسوشيتد برس)

وأنتجت هوليود فيلم "الطفل 44" وقصته مأخوذة من رواية الكاتب "توم سميث" التي تحمل نفس الاسم، وقد صدرت عام 2008 وحققت أفضل مبيعات.

وتدور أحداث الفيلم في عام 1953 خلال حكم ستالين، حيث تساور ضابط استخبارات يدعى ليف ديميدوف شكوك بشأن أطفال يموتون في ظروف غامضة، وسرعان ما تبين أنهم يُقتلون بطريقة متسلسلة وممنهجة، فيقرر القيام بالتحريات للكشف عن خفايا هذه الجرائم، ولكنه يصطدم بمعارضة من السلطات التي تحرص على إظهار الوجه المثالي للحياة وتصر على أن الأطفال ماتوا نتيجة حوادث عابرة.

من جانبه، نفى الخبير والناقد السينمائي عبد الله حبة وجود قيود رقابية صارمة في روسيا تمنع عرض الأعمال الفنية على اختلافها، معتبرا أن سياسة الدولة تتجه نحو الانفتاح الثقافي لكن الأمر مختلف بشأن فيلم "الطفل 44".

تشويه للحقيقة
وأوضح المتحدث أنه "لدى كل دولة قيم وطنية تعتز بها وتشكل أساسا للتنشئة الوطنية للأجيال، وفيلم "الطفل 44" يسيء إلى مرحلة مهمة من التاريخ القومي الروسي، ويسيء إلى الأجداد الذين صنعوا هذا التاريخ".

وأضاف حبة "أن الحرية في روسيا يُساء استخدامها من الآخرين بطريقة استفزازية فيها الكثير من الإساءة لذكرى مهمة، وهي ذكرى الانتصار في حرب عالمية فاصلة خلفت ملايين القتلى وغيرت وجه العالم، وفي هذه الحالة أعتقد أن القرار بمنع عرض الفيلم مبرر". 

عبد الله حبة: الفيلم تجاهل كثيرا من الجوانب المشرقة لروسيا (الجزيرة)

وعبّر عبد الله حبة -في حديثه للجزيرة نت- عن قناعته من أن صبر المشاهدين لن يطول وأن الفيلم سيُعرض في النهاية بالرغم من تصويره للحياة في الحقبة السوفياتية بشكل مفرط في السوداوية، وتصويره السلطات بأنها متساهلة مع من يقتلون الأطفال، مع العلم بأن معدلات الجريمة آنذاك كانت الأدنى في العالم.

وأردف حبة بالقول "وهناك تجاهل كامل للكثير من الجوانب المشرقة والإنجازات التي تحققت في مجالات الصناعة والفضاء والذرة والفن والأدب، وإغفال لدور الاتحاد السوفياتي في إنتاج عظماء غيروا مجرى الحياة أمثال كورولوف وغاغارين وشولوخوف وآليكسي وتولستوي وغيرهم في مختلف المجالات".

وخلص عبد الله حبة إلى أن اسبينوزا أخرج الفيلم بشكل ممتاز من الناحية الفنية، لكنه لم يكن منصفا في الجوانب التاريخية.

المشاهد هو الحكم
أما رئيس تحرير في موقع "السينما والمسرح" جان بروسيانوف، فيعتقد أن القرار بمنع نشر أي منتج فني والتحفظ عليه أمر غير مقبول.

وأضاف قائلا "أنا أعتقد أن دور وزارة الثقافة هو تشجيع ظهور إنتاجات فنية جديدة وإظهار التنوع الثقافي والنظرة الغربية للأحداث، وليس حجبها عن الجمهور".

وقال بروسيانوف "لقد كان من الأجدر بروسيا أن تسمح بعرض الفيلم وترك التقييم النهائي للمشاهد الروسي الذي لا يفتقر إلى الوعي والحس الوطني، وبالتالي قبول الفيلم أو استهجانه يجب أن يكون بقرار من المشاهد وليس من دائرة الرقابة".

وأوضح المتحدث ذاته أن "السينما كغيرها من المجالات الفنية خاضعة لقوانين السوق ورفض المشاهد له كفيل بإفشاله، في حين أن حظر الفيلم سيأتي بنتائج عكسية، فمن المفارقة أن الجمهور يحرص على مشاهدة الأفلام الممنوعة، لذلك أنا أعتقد أن قرار المنع لم يكن ضروريا". 

المصدر : الجزيرة