هيثم حسين

تنسج السورية أمينة بريمكو في روايتها "خريف آهورا" مستلهمة بعض الأساطير الشرقية في محاولة لربط الواقعي بالخيال، وابتكار عوالم روائية تنهل من الأسطورة وتبني عليها وتلامس الواقع وتقاربه بطريقة شاعرية، بحيث تبرز الخلطة الأدبية التي تنتجها صورا متخيلة عن ماض مبدد وحاضر ضبابي.

تستهل بريمكو روايتها -الصادرة عن سلسلة السرد.. جماعة الأنا/الآخر، السويد 2015- بما يشبه التنبيهات، أو الوصايا أو الإرشادات، تلك التي تتبدى موجهة صوب أكثر من اتجاه. وتستهدف التعميم من خلال ما يظهر أنه تخصيص بمعنى ما.. تحرض من خلالها على الدأب في النضال من أجل الفوز بالمكاسب والانتصارات.

ويبدو منذ الكلمة الافتتاحية حرص الكاتبة على إبراز تحدي شخصيات روايتها لظروفها، وتحيل الحديث إلى قوة أعظم، ويحمل سردها طابع الحض والتركيز على قوى الإنسان الجُوَّانية، والاعتماد عليها في رحلة التحدي والمغامرة، سواء كانت تلك الرحلة متعلقة بالحب أو الكتابة أو أي شأن من شؤون الحياة.

مناجاة الراوية آريانا هي بوح وإنصات في الوقت نفسه، تبوح بهواجسها، وتنصت لآلامها وأحلامها المحطمة، وهي في غربتها ومنفاها، حيث الغربة تكون سببا إضافيا ضاغطا، وعاملا مساعدا في القدرة على النظر بشيء من الحيادية

صخب وصراع
آهورا يختصر اسم "آهورامزدا" الإله الأعظم في الديانة الزرادشتية، ويرمز إلى الحكمة والمعرفة والخير والحب، وبإضافة الخريف عليه، يغدو الخريف معرفا به، وتعريف الخريف به يشير إلى حالة مخصصة تتقصدها الروائية، وهي حالة بطلتها آريانا المهجوسة بعالم الأساطير، وحكاياتها التي تبث فيها روحا وحياة، ومناجياتها المستمرة لحبيبها الحاضر الغائب "سُوار"، وخوضها معاركها الداخلية مع ذاتها وزمنها في معادلة عصية على الحل، معادلة المجاهدة ضد الرغبات والأحلام، بغية تحقيقها أو الهروب منها.

آريانا هي الراوية، تبدأ من لقاء هادئ بحبها الماضي وتطلق أفكارها وتصوراتها عن الحب والحياة، تعتقد أن حياتها بدأت ذات يوم خريفي التقت فيه من أحبته، تسر بأنها بصدد كتابة روايتها، ولا تأبه لأية تحذيرات حول خوضها مغامرتها الكتابية بعيدا عن الوصاية، قريبا من صخب الحب وصراع المحبين مع ظروفهم ومحيطهم وأنفسهم أحيانا.

تقسم الكاتبة روايتها إلى 14 فصلا، تحوي معظمها وصايا تتشعب في أكثر من اتجاه، منها مثلا حول الحرب والحب والسوق، وعن تأثير الحب الكبير في الحياة، وحتى في إشعال بعض الحروب أو إيقافها، تتحدث الراوية أن الحب لا يجلب الألم، والناس الذين يجلبون الألم في حبهم لا يعرفون الحب، لكن الحب بدوره أناني، لأنه يعتقد أن الكون يدور في فلكه. الحب ليس حربا وإنما يشعل حروبا لأجل ذاته. "وهل ننسى زين، هيلين، كليوباترا؟".

مناجاة الراوية آريانا هي بوح وإنصات في الوقت نفسه، تبوح بهواجسها، وتنصت لآلامها وأحلامها المحطمة، وهي في غربتها ومنفاها، حيث الغربة تكون سببا إضافيا ضاغطا، وعاملا مساعدا في القدرة على النظر بشيء من الحيادية، وهي محاولة لرؤية الأحداث والوقائع من منظار اليوم والغد، وكيف أن الزمن يشكل حلقة واحدة متسلسلة، يلعب فيها الماضي دور القاعدة الموجهة.

وتحاول آريانا ترتيب فوضاها الداخلية، تكابر على أحزانها، تقول إنها ترتب فوضى قلبها بعد أن فتته الانتظار والحنين، وأن بوصلة قلبها تتجه نحو حبيبها المؤسطر في حله وترحاله، ترى عمرها يخر اعتذارا لآهورا لأنه انقضى بكامله في منفى الانتظار. وتشير إلى أن الأقدام لا تهدأ، وتصل في آخر المطاف إلى نهايتها، وتخشى من أن يخون موتها غيابه، فتخسر نصيبها الوحيد من الأمل.

تقريع ذاتي
يحمل سرد الكاتبة نوعا من التقريع الذاتي، إذ تشير إلى ارتباط الكُرد بالجبال، وخيباتهم المتكررة، وتعيد التذكير أكثر من مرة بجبل ليلون وارتباط الشخصيات به وتأثيره عليها، وكيف أن هناك من يجهل حقيقة انتمائه ويتهرب من واجباته، ومعضلة صراع التاريخ ومجرياته في بحر من التناقضات والأضداد، حيث الانتماء إلى رمز يتبدد بالدخول في متاهة التنكر له والبحث عن جانب آخر لا يوثَق به ولا بانتمائه وحرصه، وهنا تكون المواجهة الخاسرة بين المراد والمشتهى والواقع.

سرد الكاتبة يحمل نوعا من التقريع الذاتي، إذ تشير إلى ارتباط الكُرد بالجبال، وخيباتهم المتكررة، وتعيد التذكير أكثر من مرة بجبل ليلون وارتباط الشخصيات به وتأثيره عليها، وكيف أن هناك من يجهل حقيقة انتمائه ويتهرب من واجباته

الخريف لا يكون زمن لقاء البطلة بحبيبها، بل يعكس أزمنة أخرى أيضا، وكأنه الفصل الذي يختصر حياة برمتها، الفصل المديد الذي يطغى على غيره من الفصول، ويحمل الفرح والحزن معا، فيه تلتقي البطلة حبيبها، وفيه تواجه أحزانها وذاتها في مرآة الزمن، وفيه تبتعد عن مدينتها، وتصاب بخيبات وانتكاسات، ويصل الأمر بها إلى البوح وهي في خريف العمر عما دار في ربيعه المفترض، ذاك الذي يتبدى لها أنه كان خريفا أيضا.  

تُفلسف الكاتبة الخريف، تشتغل على المفهوم بما يحمله من نقائض، تارة تتغزل به وتمدحه، وتارة أخرى تذمه، وفي مختلف الأحوال هو يمتاز بخصوصية لافتة عندها، فتقول إنه في خريف الوقت الذي تنفصل فيه أجساد الكائنات عن أرواحها لتولد شهقة الحكمة عندما تنضج ثمرة البهجة وتفوح منها رائحة اليقظة.

تقارب الكاتبة مفاهيم مثل السعادة والتعاسة والحزن والأمل، وذلك من خلال ربطها بالفصول وبالحالات النفسية وانعكاساتها على المحيط، وكيف أن المرء يستمد سعادته وتعاسته من داخله قبل أي عامل خارجي، وتلفت النظر إلى تقاطع العوامل وتشكيلها لوحة المشاعر وتزيينها لها، بحيث يساهم كل عامل بدوره في بلورة الصورة الشعورية للمرء في رحلته في فصول حياته، وصولا إلى خريفه الذي قد يكون بداية جديدة.

في الجانب اللغوي، تركز الكاتبة على شاعرية اللغة، حتى أن هذه الشاعرية تكون العنصر الفني الطاغي على غيره من العناصر، بحيث يظهر كغاية في بعض المقاطع التي تبدو وكأنها تداعب بها اللغة أو تلاعب عبرها مشاهد متخيلة، سارحة بها في فضاءات قصيّة. 

المصدر : الجزيرة