علي البتيري*

شهد الأدب العربي القديم حركة نقدية جادة وواسعة تمثلت في الدراسات والتنظيرات النقدية لكل من الآمدي والجرجاني والمرزوقي في مقدمته لشرح ديوان الحماسة لأبي تمام, والحديث عن نشأة النقد الأدبي العربي وتطوره يطول ويتشعب، فقد كانت له مناهجه وأهدافه التي وصف بها.

ولكن ما أردنا أن نشير إليه في مستهل الكلام هو أن استحضار الروح النقدية في الأدب ليس أمرا جديدا خاصة بالأدب العربي الحديث, وإنما هو ظاهرة حضارية نشأت وتطورت في حقل الإبداع العربي القديم خاصة في حقل الشعر -أوزانه وأغراضه ومعانيه- ولم يكن للنقد الأدبي قديما أن يصدر أحكاما قاطعة أو يصدر نظريات ثابتة تتحكم في العمل الشعري المنتقد، ولكن النقاد في ذلك الوقت كانوا يكتفون بإطلاق الأوصاف النقدية كقولهم جزالة وعذوبة وقوة السبك ورصانة البناء والصنعة والتكلف والركاكة وغير ذلك من الأوصاف البلاغية.

نخلص من هذا إلى أن النقد في الأدب العربي ليس حديث الولادة, إلا أن نقد الأدب الحديث على الرغم من ارتباطه بعراقة النقد القديم لم يأت أسير المعايير والتقاليد القديمة في النقد, حيث اختلفت مذاهبه وأساليبه فتغيرت أوصافه ومصطلحاته وفقا لتغير العصر الأدبي.

مرحلة التجديد
ودخل الأدب الحديث منذ عصر النهضة في القرن الماضي أكثر من مرحلة من مراحل التجديد، فوجد الأدباء العرب أنفسهم -خاصة الشعراء منهم- أمام متغيرات العصر وتعقيداته وأمام هموم وأعباء معاصرة تتطلب منهم التحديث والفهم الجديد لمعنى الأدب ووظيفته القومية، فاتسعت دائرة التجريب وازداد الخروج على التقاليد الأدبية القديمة، خاصة بعد الانفتاح على التجارب الإنسانية وثقافات وآداب الأمم الأخرى.

لم يعد الحفاظ على عمود الشعر أمرا مقدسا لدى النقاد المحدثين الذين شهدوا في النصف الثاني من القرن العشرين ما يشبه الانقلاب الأخضر -إن جاز التعبير- على القصيدة البيتية التقليدية

ومن هنا كان لا بد للنقد أن يتماشى مع حركة الأدب الحديث وتطور مناهجه وأساليبه ونقلاته الحداثوية المعاصرة، فنقد طه حسين لشوقي وحافظ إبراهيم كان لا بد أن يأتي مختلفا عن نقد المرزوقي لشرح حماسة أبي تمام على سبيل المثال.

ولم يعد الحفاظ على عمود الشعر أمرا مقدسا لدى النقاد المحدثين الذين شهدوا في النصف الثاني من القرن العشرين ما يشبه الانقلاب الأخضر -إن جاز التعبير- على القصيدة البيتية التقليدية، وذلك على يد رواد الشعر الحديث مثل السياب والبياتي وصلاح عبد الصبور ونازك الملائكة والفيتوري ونزار قباني وغيرهم.

وقد أسهم النقاد العرب في هذه المرحلة إسهاما كبيرا وملحوظا في ترسيخ وتثبيت أركان الشعر الحديث، خاصة شعر التفعيلة الذي جاء بمثابة إعلان جريء للخروج على عمود الشعر العربي القديم، مما أحدث نقلة نوعية للقصيدة العربية وهي تخرج من قوالب التقليد الكلاسيكية إلى فضاءات التجديد الحديثة.

ويبقى السؤال المطروح على الصعيدين الأدبي والنقدي هو كم عدد الأدباء في عالمنا العربي ممن يؤمنون باستحضار الروح النقدية في مضمار الحركة الأدبية ويرون ضرورة التقويم النقدي لأي عمل أدبي، متميزا كان أم متوسط الجودة أم هابط المستوى؟

علاقة مأزومة
في الحقيقة، هناك علاقة مأزومة وغير مستقرة بين الأديب والناقد، وهذه ظاهرة قديمة جديدة على الصعيدين العربي والعالمي, فهذا الشاعر الروسي ماياكوفسكي يدفعه هجوم النقاد عليه إلى الانتحار, وهذا تولوستوي يصف الناقد بالذبابة التي تلتصق بأذن حصان العربة تلسعه وتؤذيه.

لو أخذنا بحكمة شوقي ونظرته الحصيفة لطبيعة النقد ووظيفته لما كانت لدى أدبائنا حساسية من النقد الأدبي لنصوصهم، ولما تملكهم سخط وانفعال يجعلانهم يغمضون عيونهم ويغلقون أسماعهم أمام نقد جاد

وهذا عميد الفن العربي محمد عبد الوهاب في بداية نشأته في الغناء يهاجمه النقاد في الصحافة الفنية بمصر فيذهب شاكيا لأمير الشعراء أحمد شوقي الذي تحمس له وتبنى موهبته فيقول لشوقي إن النقاد يهاجمونني في الصحف بقسوة ويقولون إنني لا أصلح للغناء, فيسأله شوقي إن كان يحتفظ بتلك الصحف التي هاجمته ويطلب منه أن يحضرها له, وحين أحضرها له عبد الوهاب قال له شوقي ضعها على الأرض يا محمد واصعد فوقها.. فصعد عبد الوهاب واقفا فوقها متعجبا من طلب أستاذه شوقي، وهنا يسأله شوقي قائلا: هل رفعتك هذه الصحف حين صعدت عليها؟ فأجاب: نعم. فقال شوقي مبتسما ومشجعا "دا الكلام اللي هيرفعك يا محمد".

لو أخذنا بحكمة شوقي ونظرته الحصيفة لطبيعة النقد ووظيفته لما كانت لدى أدبائنا حساسية من النقد الأدبي لنصوصهم، ولما تملكهم سخط وانفعال يجعلانهم يغمضون عيونهم ويغلقون أسماعهم أمام نقد جاد قد ينفعهم ويساعدهم على تطوير تجاربهم الأدبية ويحفزهم إلى مزيد من الإبداع والتحدي، سلبيا كان ذلك النقد أم إيجابيا.

ولعل من المناسب أن نسأل: هل قللت تهجمات العقاد والمازني من مكانة أحمد شوقي وحافظ إبراهيم الشعرية في شيء حين اعتبرهما صنمين لا بد من تحطيمهما؟

لا بد من النقد الجاد الذي يضيء مواضع أقلامنا على الطريق ويوضح مجال الرؤية ويسهل لنا حركة الإبداع, ففي غياب الروح النقدية التي يجب أن تقابلها روح أدبية عالية في تقبل النقد والتعامل معه قد تختلط علينا المواصفات والمقاييس للأدب الجيد والمعافى, وتضعف لدينا القدرة على التبصر والاستشراف لمدى تجاربنا الأدبية الحديثة, وتدب الفوضى ويختلط الغث بالسمين في ما يطرح من أعمال أدبية, وهذا قد يؤدي إلى تداعي الحركة الأدبية وتقوقعها على ذاتها وركونها إلى بطء التقدم وجمود الابتكار.

إن في عدم تقبلنا النقد الحصيف والجاد وإعراضنا عنه أو تذمرنا منه ظلم كبير لرسالة النقد الأدبي ووظيفته الحيوية في رفد الإبداع وتقويمه وتطويره, فكل عمل أدبي لا يحظى بإضاءات نقدية تبرزه وترفع من قيمته الإبداعية يظل عملا ناقصا مهما اكتمل.
______________

* كاتب وشاعر فلسطيني 

المصدر : الجزيرة