علي البتيري*

نزعة التجديد عند الشاعر تواقة دائما إلى الخروج عن دائرة الرتابة والاتباع والمحاكاة، هذه الدائرة التقليدية المحدودة والمحددة المحيط التي يمكن لها أن تضيف إلى الواقع صورا جديدة عنه فتعكسه، ولكنها تظل قاصرة عن التأثير فيه تأثيرا يمهد لإمكان تشريحه وإعادة تكوينه برؤية شعرية استشرافية وثاقبة.

ويُعدّ هذا التكوين نبوئيا يُفضي إلى عالم "يوتوبي" لامرئي يمكن أن يوحي به الشاعر المحدَث القادر على الخلق التعبيري المبتكر، فالشاعر المجدد -ولا شك- متمكن فكريا وثقافيا من استقطاب هموم العصر وقضاياه الجاثمة بإرهاصاتها وتعقيداتها على صدر الموقف الشعري.

وظاهرة التجديد في الشعر العربي ليست مستحدثة ومقصورة على شعراء الحداثة المعاصرين، وإنما هي ظاهرة حضارية ضاربة الجذور في تراثنا الشعري، وقد تولدت بين عصر أدبي وآخر في نفوس ومواهب شعرائنا القدامى منذ قول عنترة بن شداد:

هل غادر الشعراء من متردّم    أم هل عرفت الدار بعد توهم

حتى قول أبي نواس "أستطيع أن أقول شعرا بلا قافية"، وقوله المنسجم مع توجه الشعراء المولدين في عصره:

قل لمن يبكي على رسم دَرَسْ    واقفًا، ما ضر لو كان جَلَسْ!

الشعر والحياة
ولو اختصرنا عملية التتبع التاريخي لمعطيات التجديد التي أفرزتها المراحل الأدبية المتعاقبة، ووقفنا قليلا عند انتفاضة محمود سامي البارودي وجميل صدقي الزهاوي، ومن ثم أحمد شوقي وحافظ إبراهيم وخليل مطران وغيرهم، لوجدنا هؤلاء -بريادة البارودي- قد عملوا بأصالة فنية لا تخلو من تقليد على إنقاذ الشعر العربي المعاصر من هوة الصنعة والتكلف والانحطاط، فكتبوا قصائدهم بلغة معاصرة بعض الشيء، ولم يتكئوا على لغة مهجورة سبق أن استهلكت عبر عهود شعرية منطوية.

لم يلبث دعاة الشعر الحديث ورواده أن أثبتوا -وبجدارة- أنه بتحرره من القواعد والقوالب المعيارية الموروثة، بدا أكثر اتساعا وتمثلا للصراعات الاجتماعية والنفسية والفكرية التي يعاني الشاعر المحدث منها

كما أنهم على صعيد المضمون لم يحصروا أفكارهم وموضوعاتهم في نطاق الأغراض الشعرية المتبعة والمعروفة، وإنما دخلوا بتجاربهم الشعرية معترك الحياة السياسية والاجتماعية، فكتبوا القصائد الوطنية، وسجلوا العديد من المواقف القومية على طول الخط الساخن الممتد من جراح الوطن العربي إلى خوذ المستعمرين الطامعين والمحتلين الذين كانوا يخططون لاغتصاب فلسطين.

مثّل شعراء هذه المرحلة الزمنية المستظلة بالنهضة العربية الطريق الملائم والقويم لشعراء "أبولو" و"المهجر" ومن تلاهم ونهج نهجهم، فهمّوا بالخروج على الشكل التقليدي للقصيدة البيتية ذات التفعيلات الهندسية وعلى مضمونها أيضا، فطرحوا مقتضيات واقعية منطقية ومقنعة فتحت الباب فيما بعد وبشكل تدريجي لظهور الشعر الحديث (شعر التفعيلة).

ولم يلبث دعاة هذا النوع من الشعر ورواده أن أثبتوا -وبجدارة- أنه بتحرره من القواعد والقوالب المعيارية الموروثة، بدا بانطلاقه في فضاء الكلام أكثر اتساعا وتمثلا للصراعات الاجتماعية والنفسية والفكرية التي يعاني الشاعر المحدث منها، والذي لم يعد قانعا بطرق أبواب التجربة الشعرية من خلف البوابة الخارجية! إذ لم يعد هذا المنحى الشعري التقليدي كافيا ومُجديا لمواجهة واقع مستجد يضج بتعقيدات وإرهاصات وتحديات لا حصر لها.

لم تكن ولادة الشعر الحر أو المتحرر -إن جاز التعبير- سهلة، إذ ولد في جو معبأ بالضجيج والمعارضة، زاخر بالتردد والتهيب، دون أن يخلو من روح المغامرة أو حتى المخاطرة.. وبات على هذا اللون من الشعر منذ ولادته تجاوز العديد من حواجز التجاهل والاحتجاج وعدم الاعتراف به.

توهّج التفعيلة
وعلى الرغم من ذلك، فإن شعر التفعيلة الحديث استطاع على يد نفر من الشعراء العرب الرواد أن يتنفس في الهواء الطلق، وأن يضيء ويتوهج ليبدد مساحات واسعة التعتيم ضُربت من حوله ومن قبل شعراء تقليديين أخذتهم الغيرة على القصيدة العمودية وخافوا عليها من الطمس أو التغييب.

اعتماد الشعر الحر على وحدة التفعيلة جعل بعض الشعراء من ذوي المواهب المحدودة والتجارب السطحية الضحلة يستسهلون هذا التوجه الجديد الذي يتيح لهم فرصة إلقاء حمل القصيدة العمودية الثقيل عن ظهور أقلامهم

ولم يكن هذا النفر الغيور يخلو من بعض الشعراء والنقاد الذين هم بثقافتهم التوقيفية الثابتة التي لا تقبل الحركة أو التقدم نحو روح العصر، يفتقرون إلى ثقافة عصرية متجددة ومنفتحة على العالم والمستقبل، بل إن بعض هؤلاء كان يرى في النهج الشعري الجديد محاولة لإقصاء القصيدة العمودية الكلاسيكية وتهميش دورها الذي اضطلعت به على مدى عصور أدبية طويلة.

وفي ظل هذا الإحساس المتوجس والتوقع المفترض، رأينا عددا من شعراء الأصالة المجيدين في كتابة القصيدة يركبون موجة الحداثة الشعرية من قبيل المجاراة ودون قناعة بقصيدة التفعيلة أو وعي بطبيعتها الفنية، فأخذوا يكتبون قصائد تفعيلة تميزت بالتكلف والضعف، وسقطت في ذهنية باردة تخلو من حرارة العاطفة أو قوة الجذب والتأثير.

ثم إن اعتماد الشعر الحر على وحدة التفعيلة جعل بعض الشعراء من ذوي المواهب المحدودة والتجارب السطحية الضحلة يستسهلون هذا التوجه الجديد الذي يتيح لهم فرصة إلقاء حمل القصيدة العمودية الثقيل عن ظهور أقلامهم، فأخذوا يعلكون بعض الجمل والعبارات المبتورة ويقدمونها للقراء على أنها سطور حرة تأتي في سياق قصيدة التفعيلة ويقولون لنا ولأنفسهم بأن ما ينشرونه "شعر حديث".

ما نريد أن نخلص إليه هو أن تجربة الشعر الحديث عانت الكثير من الفوضى من هذه المثبطات والتشويهات، ولكنها صمدت في النهاية وفرضت نفسها على الساحة الشعرية، إلا أن العديد من الشعراء والنقاد الذين آمنوا بالتجديد ودعوا إليه وقفوا عند قضية الشكل الفني للقصيدة الحديثة، مع أن هذا الشكل الجديد جاء على يد الرواد وسيلة لهدف أسمى وأهم وهو حداثة المضمون الذي يجب أن يجيء معبرا عن حداثة العصر وقادرا على مواجهة الواقع المعاصر.. مواجهة المتصدي الذي يحمل شهوة الإصلاح والتغيير.
_________________
* كاتب وشاعر فلسطيني

المصدر : الجزيرة