أمير العمري*

يحتفل العالم السينمائي في هذا العام بمرور مائة عام على مولد عبقري السينما الأميركية أورسن ويلز (1915-1985) صاحب التحفة الكبرى "المواطن كين"، وهو الفيلم الذي ظل طوال خمسين عاما ضمن قائمة الأفلام العشرة المفضلة لدى عشاق السينما.

وقد شهد هذا العام أيضا حدثا آخر مثيرا هو الكشف عن فيلم قديم، أو بالأحرى ثلاثة أفلام قصيرة كان قد صورها ويلز لكي تعرض في بداية كل فصل من الفصول الثلاثة لمسرحية تحمل عنوان "جونسون كثيرا جدا" (Too Much Johnson) كتبها الممثل والمخرج الأميركي وليم جيليت في أواخر القرن الـ19.

وكان مسرح ميركوري يرغب في إنتاج المسرحية عام 1938، وقد سعى ويلز -الذي كان في الـ23 من عمره في ذلك الوقت ولم يكن قد أخرج بعد عمله الكبير "المواطن كين" (وهو فيلمه الروائي الطويل الأول" عام 1941)- إلى إقناع منتجي المسرحية بفكرة المزج بين السينما والمسرح.

أورسن ويلز أثناء تصوير فيلم "جونسون.. كثيرا جدا" (أسوشيتد برس)

وقد حدث بين الطرفين اتفاق أولي، وتقول المعلومات المتوفرة حول المسرحية إن ويلز قام بالتدخل في النص، واختصر الكثير من العمل الذي كان يدور حول شخصية زير نساء مستهتر، وأفسح مجالا لإدخال أفلامه الثلاثة المتسلسلة التي كانت ستعرض قبل كل فصل من فصول المسرحية.

اكتشاف ثمين
لكن الفيلم -الذي هو عبارة عن ثلاثة أفلام قصيرة- لم يكتمل أو لم يقدر له أن يعرض قط، وتتضارب المعلومات بشأن الأسباب التي حالت دون عرضه، فقيل إن السبب ربما يرجع لعجز الشركة المنتجة للمسرحية (شركة ميركوري) عن العثور على جهاز عرض يصلح لاستخدامه في المسرح (كانت أجهزة العرض السينمائي لا تزال في مراحلها الأولى، ولم تكن قد شهدت ما عرفته بعد ذلك من تقدم كبير سواء في الحجم أم في الكفاءة).

خبراء "الحفريات السينمائية" -وهي مهنة غير موجودة بكل أسف في أوساط السينما العربية- تمكنوا من اكتشاف الفيلم الذي صوره أورسن ويلز وكان الجميع يعتقد أنه فقد إلى الأبد

كما قيل أيضا إن ويلز فقد اهتمامه بالمسرحية بعد أن قررت الشركة المنتجة أخذها وعرضها في مدينة أخرى على سبيل التجربة قبل أن تعرض في برودواي، وشعر ويلز بضيق الوقت وانشغل في عمل آخر، كما تردد أيضا أن "ميركوري" لم تكن تمتلك حقوق استغلال المسرحية في فيلم سينمائي.

وظل الاعتقاد السائد منذ ذلك الوقت أن نسخة الفيلم دمرت في حريق بفيلا في مدريد عام 1970 حيث كان ويلز قد ترك الكثير من علب أفلامه، لكن المكتشفين وخبراء "الحفريات السينمائية" -وهي مهنة غير موجودة بكل أسف في أوساط السينما العربية- تمكنوا من اكتشاف الفيلم.

المؤكد أن لا أحد شاهد هذا العمل من قبل إلى أن تم العثور على "نيغاتيف" الفيلم الذي يصل إلى أكثر من ساعة في أحد المخازن في روما، وقامت معامل جورج إيستمان الشهيرة بالتعاون مع مدينة السينما في روما -التي حصلت على منحة مالية من مؤسسة حفظ الأفلام في الولايات المتحدة- بترميم واستعادة النيغاتيف وطبع نسخة منه عرضت على نطاق محدود للغاية في أواخر العام الماضي، ثم أصبحت الآن متاحة للمشاهدة عبر شبكة الإنترنت عبر موقع "مؤسسة حفظ الأفلام" في نسختين، الأولى هي الكاملة وتقع في 67 دقيقة، والثانية هي النسخة المختصرة التي جاءت كما كان يعتزم ويرغب أوروسون ويلز، في 34 دقيقة فقط، متبعة نفس أسلوبه وطريقته الشهيرة في المونتاج كما صرح بذلك المونتير الذي أنجز العمل.

من ملصق فيلم ويلز "المواطن كين" (أسوشيتد برس)

الفيلم يصور رجلا ينتحل شخصية أحد ملاك الأراضي الأثرياء (هو جونسون) يقيم علاقة عاطفية مع زوجة أحد الأثرياء، لكن الرجل يكتشف خيانة زوجته له، ويتمكن من العثور على صورة لعشيقها، ويبدأ في مطاردته باعتباره جونسون إلى أن يصبح جونسون الحقيقي طرفا في القصة المثيرة.

أثر العملاق
والفيلم مصنوع على غرار الأفلام الكوميدية الأولى التي اشتهر بها شابلن وماك سنيت وبستر كيتون، خاصة أنه ينتمي للسينما الصامتة مع شريط موسيقي ثقيل مقصود به إحداث تأثير كوميدي على جمهور المسرح.

ويلز لم يصنع فيلما متكاملا، بل كان يعتمد على أن ما صوره سيصبح مكملا للمسرحية في بادرة تسبق زمانها بأكثر من ربع قرن حينما بدأ في الستينيات استخدام العروض السينمائية في المسرح

الواضح أن ويلز لم يصنع فيلما متكاملا، بل كان يعتمد على أن ما صوره سيصبح مكملا للمسرحية في بادرة تسبق زمانها بأكثر من ربع قرن حينما بدأ في الستينيات استخدام العروض السينمائية في المسرح، وربما أيضا أنه أراد أن يثبت لشركات هوليوود أن باستطاعته إخراج فيلم سينمائي، وهو الذي لم يكن وقتذاك قد أخرج أكثر من فيلم قصير أقرب إلى أفلام الهواة!

يذكر أن الممثل الشهير جوزيف كوتن (1905-1994) هو الذي يقوم بدور العشيق المزور في هذا الفيلم أمام فيرجينيا نيكولسون، كما يظهر ويلز بنفسه في الفيلم أيضا.

لا شك في أن مشاهدة النسخة الطويلة يمكن أن تصيب المشاهد بنوع من الارتباك، ففيها الكثير من التعارض في اللقطات وعدم المحافظة على اتجاهات وزوايا الكاميرا وهو ما يرجع أساسا إلى كون الفيلم صوّر لمواكبة عرض مسرحي وليس للعرض السينمائي الخالص في حد ذاته، كما أنه عمل تعاقب عليه أكثر من مصور.

والأفضل كثيرا مشاهدة النسخة المختصرة التي روعي في عمل المونتاج لها استخدام الإيقاع السريع الذي اشتهر به ويلز، والاستخدام المؤثر للزوايا.

أخيرا، قد لا يكون هذا الفيلم اكتشافا سينمائيا عظيما فهو لا يزيد على تدريب سينمائي أولي كوميدي بسيط، ولكن للاكتشاف سحره، خاصة عندما يرتبط بالذكرى المئوية لعملاق مثل أورسون ويلز!
_______________ 

* كاتب وناقد سينمائي

المصدر : الجزيرة