حاوره/ كمال الرياحي-تونس

عبد الجليل العربي باحث ومترجم تونسي يقيم في البرتغال ويشتغل بجامعة لشبونة الجديدة أستاذا للأدب العربي المعاصر واللغة العربية. أنهى أطروحة دكتوراه في الأدب المقارن هي الأولى في البرتغال في موضوعها حول الأدب العربي المكتوب بالبرتغالية.

ويهتم العربي بالأدب البرازيلي والبرتغالي ترجمة وبحثا، وأعد "أنطولوجيا" بالعربية للأدب البرتغالي المعاصر، كما ترجم "كينكاس يموت مرتين" للبرازيلي جورج أمادو و"ماراطون الخلود" لأندريه أوليفيرا.

اشتغل عبد الجليل العربي في مؤسسة ساراماغو سنوات، وينشغل الآن بترجمة الشعر البرتغالي من فرناندو بيسوا وصولا لنونو جوديس. التقته الجزيرة نت فكان هذا الحوار:

 ترجمتَ رواية البرازيلي صاحب نوبل جورج أمادو التي عرفها القارئ العربي بعنوان "رجل مات مرتين" لكنك عنونتها بـ"ميتتان لرجل واحد". لماذا هذه الترجمة؟ ولماذا جورج أمادو؟

اكتشفت جورج أمادو منذ المراهقة، ومنذ أن اخترت الاستقرار في لشبونة في سنة 2001 كانت رغبتي الأولى هي أن أكتشف من جديد الأدب البرازيلي في لغته الأصلية، وكان أمادو على رأس القائمة.

رواية "اكتشاف الأتراك لأميركا" من أكثر روايات أمادو نضجا فنيا وجماليا، ومن أجمل ما كتب عن العرب المهاجرين لأميركا الجنوبية عامة، والبرازيل خاصة، في بدايات القرن العشرين

قررت أن أترجم رواية "اكتشاف الأتراك لأميركا" وهي من أكثر روايات أمادو نضجا فنيا وجماليا، ومن أجمل ما كتب عن العرب المهاجرين لأميركا الجنوبية عامة، والبرازيل خاصة، في بدايات القرن العشرين، وقد كانوا يسمون بالأتراك بحكم حملهم جوازات سفر عثمانية تركية. 

قطعت شوطا في الترجمة ثم ظهر "كينكاس" فجأة فشدّني الموضوع وشجعني حجم الكتاب الصغير. توقفت لترجمة كينكاس فكانت هذه الترجمة الجديدة لعمل فريد.

 مع "كينكاس" بطل الرواية نحن أمام حالة من التمرد على الطبقة والعائلة وعلى الطقوس والعادات، حتى إنه اختار طريقة خاصة للدفن هي طريقته.. "سأدفن كما أشتهي، في الساعة التي أشتهي".. هل يمكن أن نعتبر هذه الرواية رواية وجودية؟

تمرّد كينكاس على المجتمع عندما بلغ الخمسين من العمر وكان ذلك بقناعة، فاختار ومارس الحق الأساسي للكائن في الرفض والاحتجاج فهجر روابطه به. هناك وجهان لهذا المجتمع، الوجه الأول تختزله نظم وعادات مترسخة تحدد دور الفرد ووظيفته داخل المدينة، وتقرر مصيره ضمن مؤسسات متعددة كالأسرة والزواج والعمل، هذا المجتمع عينه يقتل كينكاس مرتين. ففي المرة الأولى عندما تخلق ابنته "فندا" صورة وهمية عنه لتبرر بها لأبنائها سبب هجر الجد البوهيمي للعائلة، والثانية عند موته. فإشراف الابنة على مراسم الدفن (اختيار تابوت جيد وكفن محترم للدفن) هو قتل رمزي لبوهيمية كينكاس وانتقام منه، فتعيده بذلك التصرف لنظام العادة الاجتماعية. ولكن للفوضى مكر ومقاومة. فمن التابوت تنهض وتستعيد وجودها "ابتسامة كينكاس الساخرة".

الفكرة الوجودية من الناحية التاريخية كانت في أوج وهجها في الخمسينيات والستينيات، وقضاياها كانت معروفة، ولكن سؤالها العميق واحد: كيف نموت أحرارا؟

كينكاس رفض هذه النظم حيا حتى لحظة النهاية (موته الأول) ورفضها بعد تلك النهاية الحتمية، فمات كما اشتهى مع صحبه المشردين والبوهيميين: موسيقى وطعام وشراب ورقص ثم يأتي الموت الحقيقي المشتهى بين الأمواج. والرواية من هذه الزاوية وبهذا المعنى وجودية، لا من الناحية الفلسفية والأيديولوجية الغربية، وإنما الوجودية العجائبية والسحرية التي رسمت مصيرا فنيا مختلفا لذات الإنسان الحديث.

صحيح أن الفكرة الوجودية من الناحية التاريخية كانت في أوج وهجها كونيا في الخمسينيات والستينيات وقضاياها كانت معروفة، ولكن سؤالها العميق واحد: كيف نموت أحرارا؟ وكينكاس كان قد فعلها.

 ما الذي يميز جوج أمادو -حسب رأيك- وجعله ينتزع سيادة الأدب البرازيلي إلى اليوم؟ هل اهتمامه بالمهمشين الذين يجوبون "باهيا" ويكتبون تاريخها السري الذي لا تقوله الرقصة البرازيلية ولا كرة قدمها الأنيقة؟

أودّ أن أسجل إعجابي الكبير بوجوه أخرى في الأدب البرازيلي وخاصة الأديبتين نيليدا بنيون وكلاريس ليسبكتور وغيرهما كثير، ولكن جورج أمادو ظل رائدا لسببين، أولهما خلقه وابتكاره لجماليات سردية وتخييلية جديدة، وثانيهما تأسيسه مفهوما أخلاقيا ثقافيا كونيا جديدا، فمنذ "غابريلا قرنفل وقرفة" بدأ أمادو في مشروع نقد وخلخلة السائد اجتماعيا والمبني على تهميش الأقليات العرقية (عرب وزنوج وهنود حمر..) والطبقية (المهمشون والمشردون والفقراء والمجرمون).

جورج أمادو غيّر فنيا صورة البرازيل وخاصة "باهيا" التي صارت أيقونة عالمية، إنها برازيل الحياة والفن والطبقات المهمشة وليست السامبا ولا كرة القدم فقط

فكل ما كان يعتبر من الدرجة الثانية أو مسكوتا عنه طفا به أمادو إلى الواجهة وفرضه بواسطة الكتابة. حتى إنه عندما طُلب منه أن يكتب عملا ما سنة 1992 بمناسبة مرور خمسمائة سنة على اكتشاف أميركا، فإنه خلخل المنتظر وحاد عنه فتجاوز مدح المكتشف الأوروبي القديم للقارة ولبلده ونسبها روائيا وتخييليا للمهاجر الحديث (العربي) دلالة على وحدة التاريخ البشري في الاكتشاف والبناء والتأسيس.

هنا يكمن سر كونية أمادو، فأي قارئ مهما كانت جنسيته يشعر بقرب أمادو من عوالمه وأسئلته. أما محليا فهو الذي غيّر فنيا صورة البرازيل وخاصة "باهيا" التي صارت أيقونة عالمية، إنها برازيل الحياة والفن والطبقات المهمشة وليست السامبا ولا كرة القدم فقط.

 يعتبر ساراماغو أحد الكتاب الانضباطيين، فهو يستعيد صورة الكاتب الملتزم بقضايا الإنسان في العالم حتى سمي بـ"الشيوعي العنيد"، ورواياته تعكس أفكاره وكلها تردد عبارته الشهيرة "هدفي عدم التخلي عن الناس الذين جاؤوا إلى هذا العالم في الظلام".

ساراماغو كاتب منضبط جدا وملتزم. وهو كاتب أفكار تهمّ الإنسان المعاصر أساسا. ظل وفيا للخطوط الكبرى لانتمائه الشيوعي، وكان عنيدا موقفا وفكرة وفعلا في الدفاع عن قضايا الإنسان المضطهد والمهمش، وكان يرى السائد من ثقافات بشرية موروثة هو سبب دمار الإنسان لذلك هاجم كل المؤسسات القديمة وانتصر للحرية وللذات البشرية.

 هل هذا الانتصار لأبناء القاع هو المشترك بينه وبين جورج أمادو الذي وصفه بالعملاق في مفكرته.. العملاق الذي فتح أبواب كتبه للوافدين على البرازيل من العرب؟

علاقة ساراماغو بأمادو متينة جدا على المستوى الشخصي، ولكن يختلفان كثيرا في أشكال الكتابة ومداراتها، أما القضية الكبرى، قضية المهمشين والمتروكين والمغيبين، فيشتركان فيها قطعا.

ما يميز أمادو وساراماغو فعلا هو الالتقاء في الاهتمام بالإنسان المضطهد مهما كان جنسه أو عرقه وتبشيرهما بالإنسان الجديد الحر تماما

هناك اعتراف وإكبار متبادل بينهما. ففي مئوية ميلاد أمادو في عام 2012، خصصت مؤسسة ساراماغو أمسية جميلة احتفالا بصداقة الكاتبين، فحضر الرقص البرازيلي وعرضت الصور والرسائل بين الكاتبين ولحنت كلمات خصيصا للمناسبة وطلب من المطاعم المجاورة للمؤسسة أن تقدم أطباقا برازيلية في ذلك اليوم ففعلت. كان كل واحد منهما يعترف ويشيد بتميز الثاني، وما يميزهما فعلا هو الالتقاء في الاهتمام بالإنسان المضطهد مهما كان جنسه أو عرقه وتبشيرهما بالإنسان الجديد الحر تماما.

 كان ساراماغو لا يدخل كتابا إلا مدججا بأفكار تحتاج إلى بحث طويل نشعر به ونحن نقرأ الرواية. وإذا استحضرنا أن ساراماغو لا يضع مخططا لعمله من قبل بل ينطلق من أفكار، كانت كل كتابة مغامرة مجهولة العواقب. كيف كان المحيطون به يتحملون جنونه أثناء تلك المغامرة؟

شهادات زوجته بيلار تكشف الكثير من ذلك. فموضوع الكتابة عنده يبدأ دائما من فكرة جديدة والفكرة يلزمها بحث وتمحيص وجنون. فالكتابة الإبداعية عنده نحت ودربة وصنعة ومسؤولية لا مجال فيها للحظ. كتب باستمرار حتى لحظة موته. وقد نشر له مؤخرا آخر رواية له غير كاملة بعنوان "سيوف، سيوف بنادق، بنادق". حدث ذلك بعد أربع سنوات على رحيله، ونُشرت كما هي لتترك للقارئ فرصة المشاركة في تخيل باقي التفاصيل. كان موضوعها فكرة الحرب والدمار البشري، وهي فكرة جديدة وليدة أحداث الحروب التي نعيشها، وهي كلها أو تكاد تكون حروبا عربية.

 زوجته بيلار كانت تترجم عمله للإسبانية وينشر أحيانا قبل صدوره بالبرتغالية.. كيف ترى دور بيلار في حياة ساراماغو؟

لم يكن يوجد كاتب أخطر من ساراماغو في مناهضة العولمة والصهيونية. كان مزعجا وحادا دائما ولم يفوت أية مناسبة إلا وكال الاستهجان لهما

حضرتُ أغلب الملتقيات التي نظمتها بيلار للحديث عن تفاصيل حياة الراحل وقرأتُ لها كل ما نشرت وصرحت، فساراماغو مدين جدا لبيلار بالكثير، فهي الزوجة والحبيبة والرفيقة والسكرتيرة ووكيلة الأعمال والمترجمة.

نادرا ما نجد شخصين يهتمان بنفس الشيء ويعملان بنفس الروح والحب، والأهم هو الاعتراف بذلك علنا وعدم تهميشه أو التقليل منه. بيلار أدخلت تعديلا كبيرا على حياة ساراماغو وساهمت بقسط وافر في نشره كمترجمة وصحفية.

 كان ساراماغو أحد المناهضين الكبار للعولمة وللصهيونية في العالم، وكان كاتبا مزعجا للإمبريالية العالمية، هل تعتقد أن المعارك النبيلة فقدت فرسانها؟

لم يكن يوجد في الحقيقة كاتب أخطر من ساراماغو في مناهضة العولمة والصهيونية. كان مزعجا وحادا دائما ولم يفوت أية مناسبة إلا وكال الاستهجان لهما. لم يكتب أي أجنبي نقدا في إسرائيل مثلما فعل ساراماغو، ولم ينصر القضيةَ الفلسطينية مثله. لقد كان الرئيس الشرفي لجمعية الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني في لشبونة، وحضر في أغلب مناسباتها التي قربتني منه -ترجمةً- ولكن المحيّر والمثير أن نرى أن هناك كراسي جامعية باسمه في جامعات عالمية كثيرة ولكن لم أسمع حتى الآن بشيء مشابه بجامعة عربية وهو الذي نصر وناصر قضيتها الأهم: القضية الفلسطينية.

 أين تضع الأدب البرتغالي اليوم من الآداب العالمية؟ هل تراجع فعلا بعد رحيل رموزه؟ وهل تغير الأدب البرتغالي اليوم؟

من المحيّر أن نرى كراسي جامعية باسم ساراماغو في جامعات عالمية كثيرة ولكن لم نسمع حتى الآن بشيء مشابه في جامعة عربية وهو الذي نصر وناصر قضيتها الأهم: القضية الفلسطينية!

لم يتراجع الأدب البرتغالي ولربما يعيش أجود فترات نضجه وتزايده كمّا ونوعا وارتفاع ترجمته عالميا، وخاصة الكتاب الشبان الذين تخطوا القضايا المحلية واشتغلوا على المسائل الإنسانية الكونية.

الأدب الوطني أو القومي انتهى على المستوى العالمي، فمع العولمة والانفتاح صارت الترجمة سريعة وليس هناك تقديس ولا تأبيد لوجوه بعينها، فعدم وجود قطيعة مع الكتاب الكبار لا يعني أنه لا يوجد اختلاف.

هناك كتابات شبابية رائعة وممتازة وهي لم تترجم بعد للعربية وترجمت لغيرها.. أذكر مثلا غونصالو. م تفاريش الذي حصل على جائزة ساراماغو عن روايته "القدس" وعنه قال ساراماغو مازحا "إنه في عمر 35 ويكتب جيدا.. عندي رغبة في ضربه!". ترجماته عديدة ومواضيعه رائعة وخاصة مصير الإنسان الغربي وبنية الثقافة الغربية، دون أن ننسى غيره من الكتاب الشبان مثل أفونسو كروش، وجواو طوردو، وجوزيه لويس بيشوتو، وفالتر هوغو ماي، وغيرهم.

 وهل أثّرت الثورة البرتغالية (1974-1975) في الأدب البرتغالي بما أحدث تحولات في هذا الأدب؟

نعم أثّرتْ كثيرا في الأدب مبنى ومعنى، فتعددت أشكال الثورة على الكتابة التقليدية وخلقت مجالا للتفاعل بين الكتاب الكبار سنا وقيمة وبين الشباب وتعددت المعاني. وقد ساهم دخول البرتغال في الاتحاد الأوروبي وانفتاح البرتغال على العالم بعد سنوات طويلة من الدكتاتورية والانغلاق في إخراج الأدب من القضايا المحلية القومية إلى القضايا الفردية والكونية. مفعول الثورة الثقافية كان جادا في البرتغال.

 كيف ترى حركة الترجمة من العربية إلى البرتغالية والعكس؟ هل الأدب العربي المعاصر يجد له مكانة في مكتبات لشبونة؟

الحركة، للأسف، بطيئة في الاتجاهين. ليس هناك دعم من الجهات العربية وأتمنى أن تلتفت دور النشر العربية للآداب المكتوبة باللغة البرتغالية، ليس في البرتغال والبرازيل فقط وإنما في أفريقيا، خاصة أنغولا والرأس الأخضر والموزمبيق، ففيها منجز إبداعي مشهور عالميا.

المصدر : الجزيرة