محمد نجيب محمد علي-الخرطوم

يعارض الروائي السوداني إبراهيم جبريل آدم في روايته "الغابة دار محنة" مسلمات تاريخية غرست في أرض السودان من خلال قراءة المستعمر لقيادات سودانية، كما يتتبع في رؤية مغايرة مسيرة تشكل السودان الحديث بأقاليمه المختلفة وثقافاته المتعددة.

وتبدأ مسيرة الحكي في الرواية -الصادرة عن دار المصورات بالخرطوم في مايو/أيار 2015- بلقاء حدث صدفة على حدود السودان وتشاد، حيث تبدأ مسيرة الراوي في نسج خيوط الحكي بين شخصياته.

ويلتقي "محمود ود الشايب" وبعض قيادات جيش "رابح فضل الله" وأحد قواد جيش "الزبير باشا" الذي حاول الراوي إعطاءه صك البراءة من تهمة تجارة الرقيق.

وتحدّثنا الرواية عن رابح فضل الله الذي استطاع تكوين دولة قوية شملت تشاد وأجزاء من أفريقيا الوسطى ونيجيريا والكاميرون، رافضا قبول الحماية الفرنسية لتبدأ حربه مع المستعمر الفرنسي "أعدت فرنسا العدة للانتقام من رابح بثلاثة جيوش قادها الكابتن روبيليو فهي لا تريد عبد القادر الجزائري آخر".

الراوي استطاع إعادة الحياة للحظات ماضية منسية من تاريخ دارفور وكردفان ووسط السودان، مشيرا إلى سهولة تعاطي الناس بعضهم مع بعض واندغامهم في بوتقة وهوية واحدة يحكمها الدين الإسلامي واللسان الواحد والثقافة الجامعة

فصول منسية
وينفي السارد ما أشاعته فرنسا عن فضل الله من أنه كان من عبيد الزبير باشا وهرب من معركة "جسي" باشا مع سليمان بن الزبير "حين خرج رابح فضل الله من الحلفايا أول مرة برفقة الزبير باشا، لم يخطر بباله قط أنه سيؤثر كل هذا الأثر في التاريخ وهو المفصول من جيش الخديوي لحادث أضعف يده اليمنى".

وتستلهم رواية "الغابة دار محنة" تاريخا اجتماعيا ارتبط بأحد جنود جيش رابح، وهو محمود الشايب وما تركه من ذرية، وباستخدام لغة سينمائية تخرج عن نمطية السرد الروائي، إضافة إلى اصطحاب حوادث الحاضر من حروب ومجاعة عام 1983 التي تسببت في نزوح الناس من كردفان إلى وسط السودان، وما حدث جراء ذلك من تمازج وتزاوج.

كما استطاع الراوي إعادة الحياة للحظات ماضية منسية من تاريخ دارفور وكردفان ووسط السودان، مشيرا إلى سهولة تعاطي الناس بعضهم مع بعض واندغامهم في بوتقة وهوية واحدة يحكمها الدين الإسلامي واللسان الواحد والثقافة الجامعة، وكل ذلك في تتبع سيرة ومسيرة أحفاد "محمود ود الشايب" الذين كتب عليهم السفر والتنقل من دار إلى دار.

عز الدين ميرغني: الروائي وظف التاريخ دون تحويله إلى مادة سردية فجّة (الجزيرة)

رفض الحرب
يتمثل السارد واقعا اجتماعيا يحكمه الماضي ويرفض الحاضر الذي يراه غير متسق مع ملاحم الآباء وارتفاعهم فوق العصبيات الصغيرة "يا ولدي أنا أدرى بك منك، أعلم أنك لم تفكر بأمر الزواج بعد، فالحرب مستمرة، والطريق مخوفة ولكن الحياة لا تتوقف".

مرجعية رفض الحرب تتكرر كثيرا على ألسنة شخوص الرواية، حيث الغرق في الواقع الذي يفوق المتخيل مع منع الانكفاء على الذات، وتتمثل في احتضان السارد أصواتا متعددة داخل بنية النص، مع خطاب واضح وصريح يرفض المسلمات التاريخية التي رسمها المستعمر، والاجتماعية الطارئة على المجتمع المثقل بالحرب والنزوح والهوية التي لا هوية لها.

ويقول الروائي إبراهيم جبريل في تصريح للجزيرة نت إنه أراد بعمله الإبداعي نشر قيم التسامح في مجتمع عُرف بالتعايش وتقبل الآخر منذ آلاف السنين، مما خلق إنسانا سودانيا يحمل قيم التصوف والثقافة العربية الإسلامية إضافة إلى جذور ثقافية أفريقية.

توظيف التاريخ
ويقول الناقد الدكتور عز الدين ميرغني للجزيرة نت إن الكاتب استطاع أن يوظف التاريخ توظيفا جيدا دون أن يدخل في التقريرية أو يحول التاريخ إلى مادة سردية فجّة. وأوضح ميرغني أن مثل هذه المادة التاريخية التي وظفها الكاتب لم تطرقها الرواية السودانية كثيرا.

من جهته، يذهب الروائي والناقد الزين بانقا إلى أن الكاتب استفاد من معرفته بالبنية النفسية للسكان في الجنوب والشمال والآثار النفسية للحرب والصراعات المسلحة في مختلف بقاع السودان، وعالجها بأسلوب سردي.

المصدر : الجزيرة