الصحبي العلاني-تونس

قبل وفاته يوم 4 أبريل/نيسان الماضي، كان الناقد والباحث والأديب التونسي أبو القاسم محمد كرّو
(1924-2015) قد أوصى بألا تقام له مراسم تأبين ولا حفلات تكريم.

غير أن الأوساط الثقافية في تونس، وفي طليعتها وزارة الثقافة والمحافظة على التراث أصرت على الوقوف إجلالا لروح الفقيد، فنظمت معرضا للكتب وآخر للصور والوثائق، كما بادرت إلى طبع كتيب احتفالي أشرف على إنجازه الأستاذ محمد المي، إلى جانب إقامة يوم دراسي شارك فيه عدد كبير من الأدباء والشعراء والمبدعين من مختلف الأجيال اعترافا بفضل رجل أجمعوا على أنه من آباء الثقافة العربية الحديثة في تونس ومن رموزها المؤسسة.

من الزيتونة إلى المشرق
ولد أبو القاسم محمد كرّو سنة 1924 بمدينة قفصة، كبرى مدن الجنوب الغربي التونسي، وفيها تلقى معارفه الأولى قبل أن ينتقل لمواصلة الدراسة في جامع الزيتونة المعمور.

وقد عُرف في الأوساط الطلابية آنذاك بمواقفه المناهضة للاستعمار الفرنسي، ولكنه اشتهر أكثر بمساندته للقضية الفلسطينية ووقوفه وراء الاضطرابات التي شلت الحياة الدراسية والعامة بتونس في أكتوبر/تشرين الأول 1947 احتجاجا على قرار التقسيم.

خلافا لما كان سائدا لدى عدد كبير من وجوه النخبة التونسية، فضّل أبو القاسم محمد كرو أن يصرف النظر عن الجامعات الفرنسية وأن يولي وجهه شطر المشرق العربي، مناضلا وطالبا

وخلافا لما كان سائدا لدى عدد كبير من وجوه النخبة التونسية، فقد فضّل أبو القاسم محمد كرو أن يصرف النظر عن الجامعات الفرنسية وأن يولي وجهه شطر المشرق العربي، مناضلا وطالبا.

ففي سنة 1948 تطوع للقتال في فلسطين ولكنه أُرجع إلى الحدود قبل أن ينجح في العودة مجددا إلى المشرق وتحديدا إلى العراق، حيث تابع تعليمه الجامعي في دار المعلمين العالية ببغداد من سنة 1948 إلى سنة 1952، في فترة كانت هذه الدار عبارة عن منجم حقيقي تخرجت في أقسامه درر التحديث في الأدب العربي أمثال بدر شاكر السياب، ونازك الملائكة، وعبد الوهاب البياتي وإبراهيم السامرائي وغيرهم.

ولكن اللافت أن الطالب التونسي المقيم في المشرق لم ينس هموم المغرب، فقد أصدر في 1951 (سنة واحدة قبل تخرجه من دار المعلمين العالية ببغداد) كتابه الأول الذي يحمل عنوان "ماي شهر الدماء والدموع في المغرب العربي"، وبعدها بسنة أصدر كتابه الأكثر شهرة وانتشارا "الشابي، حياته وشعره"، وعبره تعرّف قراء العربية على صاحب البيت الذائع "إذا الشعب يوما أراد الحياة/ فلا بد أن يستجيب القدَرْ".

وبعد هذين الكتابين، لم تنقطع مسيرة أبي القاسم محمد كرو ولا إسهاماته التي تعد بالعشرات بل بالمئات بين كتب ومقالات وأبحاث وملتقيات.

المسيرة والأثر
في اليوم الدراسي الذي أدار أشغاله الشاعر والصحفي نور الدين بالطيب واحتضنته دار الثقافة المغاربية ابن خلدون بالعاصمة التونسية مساء أمس الجمعة 15 مايو/أيار، استمع الحاضرون إلى محاضرة الروائي حسونة المصباحي حول "المشروع الفكري للأستاذ كرو من خلال سلسلة كتاب البعث"، ومحاضرة الأستاذ القصاص محمد آيت ميهوب عن "الشخصيات التونسية من خلال كتابات الأستاذ كرو"، بالإضافة إلى محاضرة الأستاذ محمد المي حول "رؤية كرو للتاريخ في القرن العشرين".

أبرز شهادة حول كرّو هي تلك التي قدمها الأستاذ المحامي والناشط المدني إبراهيم بودربالة الذي كشف عن إسهام الفقيد في إنقاذ قادة تيار "الاتجاه الإسلامي" (النهضة حاليا) من أحكام الإعدام التي كانت تنتظرهم أواخر حكم بورقيبة
" 

وفي كلمة خص بها الجزيرة نت، أشار الأستاذ محمد المي إلى أن "فضل أبي القاسم محمد كرو على الثقافة الوطنية والعربية في تونس كبير، فقد عرّف بالمغمورين من الأدباء والأعلام، لا بالشابي فقط، بل أيضا بالمصلح الكبير الطاهر الحداد وبالتيفاشي القفصي وبسليمان الحرايري وغيرهم".

ويضيف المي أن "أيادي كرو على الثقافة في تونس كانت بيضاء من خلال تأسيسه لأهم الملتقيات في المدن التونسية، وهذا ما يجهله الكثيرون، فخلال اضطلاعه بمهام رئاسة دائرة الملتقيات بوزارة الثقافة التونسية طيلة أكثر من عشر سنوات (1978-1992) تحول معه العمل الثقافي من مهرجانات فلكلورية إلى فعل ذي قيمة علمية رفيعة ومحتوى فكري متين".

ولعل أهم ما تضمنه اليوم الدراسي هو فقرة الشهادات التي تداول فيها عدد من وجوه الوسط الإعلامي والأدبي والحقوقي مآثر الفقيد، بينهم الصحفي صالح بيزيد والروائي حسن نصر والشاعرين عبد السلام لصيلع والهاشمي بلوزة.

وقد أشاد المتحدثون بإسهامات كرّو التي استطاع من خلالها كبح جماح الفرنكوفونية والإقليمية وغرس الثقافة التونسية في محيطها العربي دون انغلاق أو تعصب.

ولعل أبرز شهادة هي تلك التي قدمها الأستاذ المحامي والناشط المدني إبراهيم بودربالة الذي كشف عن إسهام أبي القاسم محمد كرو -من موقعه مثقفا وحافظا للذاكرة- في إنقاذ قادة تيار "الاتجاه الإسلامي" (النهضة حاليا) من أحكام الإعدام التي كانت تنتظرهم أواخر حكم بورقيبة.

فقد مكّن كرو هيئة الدفاع من وثائق قديمة تعود إلى فترة الستينيات كان فيها حزب الدستور (حزب الحبيب بورقيبة)، مناهضا لتنفيذ حكم الإعدام في سيد قطب (1966)، مما ساهم في إقناع هيئة المحكمة وفي تعديل مواقفها.

في سياق متصل، خصت الأستاذة لمياء كرو كريمة الفقيد الجزيرة نت بكلمة أشارت فيها إلى أن والدها كان "منارة أدبية وثقافية في منتهى البساطة والتواضع، مما يستدعي المحافظة على آثاره واحترام ذكراه، ولن يتم ذلك -حسب قولها- إلا من خلال مواصلة جهوده في تطوير الثقافة عبر مختلف أرجاء البلاد وفي سائر دول العالم العربي"، عالم عربي كان دوما وعلى امتداد حياة أبي القاسم محمد كرو مجاله الحيوي ومدار اهتمامه المتواصل.

المصدر : الجزيرة