خليل مبروك-إسطنبول

يمتشق الأدباء الفلسطينيون سيف الكلمات في كل مناسبة تعيدهم إلى حكايا الوطن، لكن ذكرى النكبة أكثر ما يفتح شهيتهم لحروف القول التي ما سكتت ولا تاهت مثل من تاهوا.

وتعتبر ذكرى النكبة التي تعود إلى يوم سقوط فلسطين بيد الاحتلال الإسرائيلي في 15 مايو/أيار 1948، من عوامل الإلهام الأدبي والفني للفلسطينيين، فعلى لحنها يقرضون شعرا ومن ألمها يروون نثرا، ويقولون إنها أغنت أدبهم لا بالمفردات فقط بل بالمعاني والمصطلحات.

وتعد الحملة الثقافية الدّولية الإلكترونيّة "مفتاح الكلمة لا يصدأ" التي أطلقها بيت فلسطين للشعر وثقافة العودة في مدينة إسطنبول، بالتعاون مع رابطة الكتاب والأدباء الفلسطينيين والحملة الدولية لرعاية الهوية "انتماء"، من أهم الفعاليات الأدبية التي ينفذها الفلسطينيون هذا العام في الذكرى السنوية السابعة والستين للنكبة.
إعلان حملة "مفتاح الكلمة لا يصدأ" (الجزيرة)

الكلمة المفتاح
ويقول سمير عطية مدير بيت فلسطين للشعر وثقافة العودة، إنَّ الحملة الثقافية تهدف لاستنهاض المُبدعين في المضامين الوطنية "التي تمد أجنحتها عربياً وإسلاميًّا وإنسانيًّا"، موضحا أنها الحملة الخامسة التي يُطلقها بيت فلسطين للشعر وثقافة العودة، والثانية بالشراكة مع رابطة الكُتّاب والأدباء الفلسطينيين.

وتغطي الحملة أربع مجالات هي القصيدة الشعرية والقصة القصيرة والفن التشكيلي والرسم الكاريكاتيري، وتستمر طيلة شهر مايو/أيار الجاري.

وأوضح عطية للجزيرة نت أن اشتراك مؤسستين ثقافيتين في الوطن والشتات الفلسطيني في الحملة، يعكس المساعي الجادة لربط الذاكرة التاريخية بالإبداع الفلسطيني لدى مختلف الشرائح العمرية، وهو تواصل مطلوب ومهم لإحياء ثقافة العودة.

وتابع أن الحملة تسعى لتوفير مادة أدبية غنية للقراء عن التفاعلات الإنسانية بين الفلسطيني والحدث الوطني الأبرز في سيرة قضيته.

الشاعر عمر: النكبة مفصل إستراتيجي (الجزيرة)

أثر النكبة
ويؤكد كثير من الشعراء والأدباء الفلسطينيين الدور الكبير للنكبة في تشكيل الهوية الثقافية للأديب الفلسطيني، وأن ذكراها نجحت في الحفاظ على حق العودة، الذي يرمزون له بالمفتاح الحاضر في كل مناسبات إحياء ذكراها.

فالشاعر والأديب الفلسطيني رمضان عمر يصف النكبة بالمفصل الإستراتيجي في التاريخ النقدي للشعر الفلسطيني وفي الرؤية والتشكيل الشعري معا، ويقول إن "مرحلة ما بعد النكبة أشعلت فتيل الشعر المقاوم، على يد من عاشوا زمن النكبة ولم يستجيبوا لإملاءاتها التخديرية".

ويتابع الأكاديمي الفلسطيني المحاضر في جامعة حران التركية أن الشعر تحول إلى هوية ثورية عبر معالجته إشكالات النكبة وتداعياتها، موضحا أن سمتين بارزتين قد رافقتا بنية القصيدة بعد النكبة، وهما السمة الثورية والسمة الفلسفية.

وأضاف عمر للجزيرة نت أن "العودة إذا كانت في عرف السياسي ورقة تفاوض ذات قيمة شرائية، فإنها لدى الشاعر رؤية إشارية ذات بعد مشكِّل لهوية النص، ومن هنا كانت قيمة "المفتاح" الرمزية تساوي مفهوم العودة وطنيا، وكانت القصيدة في بنيتها الفنية تسعى لإكمال مشروع العودة عبر صبغ الذاكرة الجمعية بنمط تفكيري يجعل من المفتاح رمزا لثابت لا يتغير".

الباش: النكبة فجرت ينبوعا للمبدعين (الجزيرة)

هوية ثقافية
أما الصحفي والباحث الناشط في الحملة وسام الباش فرأى أن النكبة فجرت ينبوعا للمبدعين في جميع مجالات الثقافة، ابتداء بالأدب شعرا ورواية ومسرحية، مرورا بالفنون على اختلاف أنواعها.

وقال الباش للجزيرة نت إن الهوية الثقافية الفلسطينية اكتسبت بعد النكبة خصوصية مكنت الأدباء الفلسطينيين من دخول العالمية، متسلحين بهم وطن محتل وقضية أصبحت وما تزال محط أنظار العالم، مضيفا أن النكبة كونت الطاقات الإبداعية الفلسطينية وشكلت صورتها وثبتت حضورها بكل تفاصيلها.

ويعتبر الباش الكلمة مفتاحا لا يصدأ، لأن لها أثرا مستمرا وإيقاعا يترك بصمته في القلب والعقل، ويقول: "إذا صدئت مفاتيح بيوتنا في قرانا ومدننا المحتلة، لن تصدأ كلمات العودة التي كتبها الأدباء، لأنها مرتبطة بأجيال تتوارث التطلع للعودة إلى كل شبر محتل".

المصدر : الجزيرة