حاوره/هيثم حسين

لا يخفي المخرج الفلسطيني خالد سليمان الناصري ارتياحه وسعادته للنتائج التي ساهم في تحقيقها فيلمه المشترك "أنا مع العروسة"، وذلك في سياق الانتصار لقضية الهجرة والتعبير عن معاناة اللاجئين الذين يخوضون مغامرات رهيبة للوصول إلى ضفة المتوسط الشمالية، باحثين عن الأمان وهاربين من جحيم الحروب.

ويشير الناصري إلى رغبته وشركاؤه في الفيلم في جعل الناس يبدؤون بالتفكير في أنهم قادرون على العصيان بوسائل غير تقليدية، وإبراز أن هناك قوانين تتناقض مع جوهر الديمقراطية والحرية، وأنه لا بد من التمرد عليها بغية الدفع إلى إعادة النظر فيها.

وحصد فيلم "أنا مع العروسة" حتى الآن ثلاث جوائز، وهي جائزة مجمع نوادي السينما الإيطالية (فيديك)، وجائزة النقاد الاجتماعية، وجائزة حقوق الإنسان في مهرجان فينيسيا (البندقية) السينمائي الدولي في إيطاليا، كما شارك أخيرا في مهرجان الفيلم الوثائقي في كندا.

وكان للجزيرة نت مع مخرج الفيلم خالد الناصري الحوار التالي:

 حدثنا عن انبثاق فكرة العمل، ومراحل تطورها وصولا إلى صالات العرض والفوز بجوائز عدة حتى الآن.

بدأت فكرة العمل منذ بدأ المهاجرون السوريون والفلسطينيون، الهاربون من جحيم الحرب في سوريا، بالوصول إلى ميلانو، حيث كنا نذهب وأنا وصديقاي المشتركان معي في الفيلم، وهما غابريله دل ألغرانده وطارق الجبر، كنا نذهب هناك ونحاول مساعدة أولئك الواصلين على قدر الإمكان. تعرفنا وقتها على المهاجرين الخمسة معنا في الفيلم وأصبحوا أصدقاء لنا، وأردنا أن نساعدهم بأي حال، وحتى من دون عمل فيلم عن المشروع.

الناصري: القوانين التي تمنع لجوء هاربين من جحيم الحرب ينبغي التمرد عليها

ثم جاءت فكرة الفيلم الذي كان بالنسبة لنا وسيلة لإيصال صوت ومشكلات اللاجئين، والتراجيديا التي يعيشها المهاجرون الواصلون إلى إيطاليا. وبدت لنا فكرة تصوير فيلم بهذا الشكل وسيلة ممتازة أيضا، لأن الفيلم يلبي رغبتنا في الاعتراض على ما يجري بحقهم.

ثم التقينا بأنطونيو الذي وفر لنا الدعم التقني اللازم، وبدا كل شيء جاهزا لنخوض تلك المغامرة، وفي سعينا لإيجاد التمويل اللازم لمرحلة ما بعد الإنتاج نشرنا ما فعلناه على أحد مواقع التمويل الجماعي، ولاقت فعلتنا تلك تأييدا كبيرا. وبدأ الناس يقدمون لنا الدعم، وفجأة صار هذا المشروع أكبر مشروع ممول بهذه الطريقة على مستوى تاريخ السينما الإيطالية.

وتمكنا من إنهاء الفيلم وتقدمنا به لمهرجان فينيسيا (البندقية) وتم قبوله، وحقق نجاحا كبيرا أثناء عرضه وقتها.

 ألا ترى أن القيام بمغامرة اختراع عرس وهمي لعبور الحدود، وإيصال بضعة لاجئين سوريين وفلسطينيين من إيطاليا إلى السويد، يشكل تهديدا وتحريضا على تجاوز القوانين؟

أجل، هذا ما أردناه بالضبط، أي أن القوانين التي تقف عائقا في وجه إنسان لا ذنب له إلا الهرب من الحرب يجب أن يتم التمرد عليها وتجاوزها.

 تتأسس فكرة الفيلم على تحدي قوانين الهجرة، وقد وُصف عملكم بأنه "نوع من عصيان لتلك القوانين"، وتسعون إلى حض السلطات على التفكير في تغيير قوانين الهجرة، هل تشعرون أن صوتكم وصل إلى غايته؟

طالما أن القانون الذي قمنا بعصيانه -العصيان المدني بالتأكيد- لم يتغير، فهذا يعني أننا لم نصل بعدُ، بكل الأحوال كانت غاية حلمنا أن نجعل الناس أولا يفكرون في أنهم قادرون على العصيان بوسائل جديدة غير تلك التقليدية، ولا أخفي ارتياحنا للنتائج التي ساهم فيها الفيلم ولكننا لسنا سعداء بعد.

ملصق فيلم "أنا مع العروسة" 

 يحمل العمل في طياته رسائل محبة وسلام بين شعوب البحر الأبيض المتوسط، والدعوة لنوع من التضامن فيما بينها، فهل يساهم الفيلم في كسر الصورة النمطية عن اللاجئين في أوروبا؟

اعتادت جميع الأفلام التي تتناول قضية الهجرة في أوروبا على ثنائية أساسية، وهي الأوروبي الطيب والمهاجر المسكين المحتاج للمساعدة والشفقة والعطف وما إلى ذلك. في فيلمنا هذا الموضوع تماما شيء آخر، فهنا المهاجر هو صاحب حق وهو الذي يحاسب أوروبا ويحاكمها أخلاقيا، وأظن أن هذا ما يميز صورة المهاجر في هذا الفيلم.

 اشترك معك في فيلمك "أنا مع العروسة" الإيطاليان غابريله دل ألغرانده وأنطونيو أوغليارو، كيف تقيّم تجربتك المشتركة؟ وهل ساهم ذلك في بلورة نظرة شرقية غربية لقضية الهجرة التي تشكل محور نقاش وسجال متجدد لدى الدول والمجتمعات الأوروبية؟

لا أظن أنه يمكن أن تتوحد نظرة شرقية غربية لقضية الهجرة، خاصة وأن الشرق يصدّر مهاجرين والغرب يستقبل، فالقضية ليست متبادلة حاليا. ما أردنا أن نذكّر به هو أن قضية الهجرة قضية إنسانية محضة، وهي من أقدم حقوق البشر: إذا تعرضت للمجاعة أو الحرب أو أية كارثة أخرى فماذا تفعل؟ بالتأكيد تهاجر. لذا تقصّدنا أن نعبر في رحلتنا أثناء الفيلم من معبر قديم كان يستخدمه الإيطاليون للهجرة هربا من الفاشية أو بحثا عن العمل في فرنسا حين لم تكن هناك تأشيرة "شنغن". نحن الثلاثة نتفق فقط على هذه الأفكار الأساسية، وأردنا تأكيدها وتذكير الذي يتناساها.

 وكيف توفق بين كتابتك الشعرية ونشرك وصناعتك للفيلم؟ وهل هناك مشاريع سينمائية أو وثائقية قريبة قادمة؟

صراحة لا أعرف كيف! ولم أعتقد أني أوفق بينها جميعا.. فأنا أفعل ما ينبغي عليّ فعله كل يوم، ولا أدري غير أن الأمور تمشي بوحدها. أضف إلى ذلك أني محظوظ جسديا، فجسدي يكتفي بثلاث أو أربع ساعات نوم يوميا، وأستثمر الباقي في العمل، ويمكنك أن تقول إني أعمل بـ"الطاقة القمرية". أما بالنسبة للمشاريع القادمة، بالتأكيد هناك سعي واشتغال لتحقيقها، والعمل جار على قدم وساق لإنجازها.

المصدر : الجزيرة