وديع عواودة-سخنين

سعيد النهري خطاط ورسام فلسطيني يستلهم القرآن الكريم في كثير من أعماله الفنية، ويخصص معرضه الحالي لأسماء الله الحسنى، فتتجلى السور بصور بصرية يتطابق فيها الجوهر والمظهر بلوحات فنية متقنة.

النهري خطّاط محترف وصوفي من أتباع الطريقة القادرية، وقد بدأ مشواره مع الخط العربي قبل أكثر من عقدين. وإضافة للبعدين الجمالي والتكويني (البنيوي) عمل النهري على اكتشاف البعد الثالث السيميائي الذي يشكل إضافة نوعية للتحولات الكبرى في المسار التجويدي لمسيرة الخط العربي.

وفي لوحاته الفنية الزاهية الألوان، يواظب النهري على تحوير وتطويع الحروف لخدمة الشكل، محاولا تحاشي الإخلال بقواعد الخط العربي، وهو لا يكتفي بالزخرفة والإحالة العاديتين بل يتعداهما بقوة الإبداع.

سورة وصورة
كتب النهري الأسماء الحسنى بخط الثلث الجلي الذي يعتبره تحديا صعبا للخطاط لكونه ملك الخطوط وأكثرها طواعية في التشكيل.

الخطاط الفلسطيني سعيد النهري (الجزيرة)

ويحوّل الخطاط الفلسطيني أسماء الله الحسنى من سورة إلى صورة، فيعين المتلقي على فهم النص قبل قراءته بواسطة أشكال تقريبية مستوحاة من المضمون.

النهري الذي يستعد لجولة عروض في العالم  ينجز لوحاته هذه بالحبر العربي على ورق "كانسون" هندي وورق يدوي الصنع وبألوان الأكريلك الفنية.

وتحمل كل لوحة اسما أو اسمين من أسماء الله الحسنى، وحتى الآن يشمل المعرض الجديد 33 اسما، ويعمل النهري على استكمال بقية الأسماء.

ويتحدث الفنان باعتزاز ورضا كبيرين عن أعماله الجديدة، ويوضح أنه بواسطتها يسعى لتوصيل الخط العربي للعالمية بالتركيز على المظهر المستلهم من الجوهر، متفاعلا مع الرسم لا مع النص.

عطاء رباني
ويقول الخطاط الصوفي إن عمله هذا "عطاء من رب العالمين"، ويضيف أن قلمه من أقلام "القدرة وكأنني مسيّر فيه"، ويرى أن قمة الروحية أن تنجح بالتعبير عن فكرة بصورة وبحروف قليلة، وأن ذلك يتم حسب الحالة الروحية السائدة في داخله كل مرة.

ويضيف النهري "عندما أحسست بالضيق وأن الدنيا قد ضاقت في وجهي أنجزت لوحة "المُذّل"، وهي عبارة عن صورة إنسان جالس على ركبتيه بصورة توحي بمشاعر الذل والانكسار وتبرز فيه حركة الضمة مهيمنة على اللوحة.
الخافض الرافع (الجزيرة)

وكذلك في لوحة "الرافع"، فهي تعبير عن انتعاش حالته النفسية، وتعكس لوحة "القدوس" حالة نشوة روحية كما يوضح النهري الذي ينجز أعماله في مرسمه في مدينته سخنين داخل أراضي 48.

أما لوحة "البارئ المصور" فولدت مع ملاحظته زنبقة تتفتح في حديقة بيته بالصباح أوحت له بعملية خلق الكون.

ويتابع النهري "في كل مرة أرسم واحدا من أسماء الله الحسنى عندما أستشعر بفكرته، وهو نتاج عملية اختمار داخلي تنتهي بتحديد قالب له". لكن عملية الرسم في المرسم ليست البداية، فبدايتها تفكير وطقوس دينية كقراءة القرآن الكريم وصلوات وحلقات ذكر تنتهي في كثير من الأحيان بحالة روحية وجدانية.

زنبقة تتفتح
في لوحة "المحيي المميت"، يظهر جسم الميت أو الهيكل تحت القبر، واسم "المُحيي" يظهر فوقه بشكل تصاعدي كالولادة التي تشير للحياة.

المحيي المميت (الجزيرة)

ويؤكد الخطاط الفلسطيني أن تبعيته للطريقة الصوفية تساعده كثيرا لأنها تبقيه في حالة حضور دائم ووصل مع الله، وهي بالنسبة له أكثر من عبادة لأنها حالة تسامي روحاني تمهّد لـ"عطاء رباني".

وتتفاوت اللوحات الواحدة عن الأخرى بأشكالها ونوعية خطوطها وبالوقت الذي تستغرقه، فأحيانا تنجز في عدة دقائق، بينما تستغرق لوحات أخرى شهرا كاملا، لكنها كافة تلقى إعجاب المتلقين والنقاد.

وقد أفرد الباحث العراقي علي عبد المحسن الشديدي دراسة مستفيضة عن أعمال النهري وأساليبه المتنوعة من الكناية والتشبيه إلى التضمين وغيرها، مشيدا بقدرته على الابتكار والخلق.

المصدر : الجزيرة