إبراهيم الحجري

تنشغل الشاعرة المغربية نجاة الزباير في ديوانها السادس "خلاخل الغجرية" بالملحمة الاجتماعية التي يكتبها غجر الأطلس في دفتر الطبيعة بعيدا عن الأضواء الكاشفة، متجرعين مرارة الحياة القاسية، وهم يجابهون المطبات الجغرافية والاجتماعية القاسية، مكابدين وعثاءهم في صمت وتجلّد.

وقد صوّرت الشاعرة في ديوانها -الصادر عن دار أفروديت بمراكش (2015)- معاناة قاطنة الأطلس الكبير والمتوسط في جزأين شعريين ينقسم إليهما الديوان، وهما "ودع الصبابة" و"فنجان الوطن" المتشكلان بدورهما من حوالي خمس عشرة قصيدة تتفاوت من حيث الطول والقصر، لكنها تشترك في كشف صور المعاناة التي يرفل فيها ساكنو الجبال العزل، مقاومين تربص الموت بهم ووعورة التضاريس.

حياة مأساوية
تنصرف القصائد في غالبيتها إلى التصوير المشهدي لمعاناة ساكنة الأطلس، أو من يصطلح على تسميتهم بغجر الأطلس، وبالأخص النساء، حيث تتماهى الذات الشاعرة مع الحياة الاجتماعية التي تطبع عيش سكان الجبال، وما يكتنفها من جمال وبؤس في آن واحد.

الشاعرة تنسحب في الغالب إلى التفاعل شعريا مع المآسي الاجتماعية التي تحفل بها هذه الهوامش بعيدا عن المراكز الحضرية، وفي غياب شبه تام للمرافق التي يحتاجها البشر في معيشتهم اليومية

ففي الوقت الذي نجد فيه القصائد تتغنى بالجمال الطبيعي الساحر، واطمئنان الذات إلى تلك البساطة التي ما تزال تغلف الحياة هناك بعيدا عن زيف المدنية ومشوشاتها، نجد أيضا أن الشاعرة تنسحب في الغالب إلى التفاعل شعريا مع المآسي الاجتماعية التي تحفل بها هذه الهوامش بعيدا عن المراكز الحضرية، وفي غياب شبه تام للمرافق التي يحتاجها البشر في معيشتهم اليومية.

وتتحول المجموعة بفضل هذا الاتجاه التصويري لمعاناة غجر الأطلس إلى ما يمكن نعته بالدراما الإنسانية في عصر عولمي كوكبي، حيث في الوقت الذي تتجسد فيه انتصارات البشر على الطبيعة عبر التكنولوجيا والعلم، نلفي أن هناك مجموعات بشرية ما تزال تعاني من العزلة وسط جغرافيات قاسية، قليلا ما ينجو الإنسان من مطباتها الجسام.

تقول الشاعرة على لسان الغجرية الأطلسية "يا لهذا الشقاء يصفعني/ كلما تهت في الأقاصي/ فأتحول إلى زهرة برية/ كل مساء طائش/ حيث تهرول في يقظتي إيقاعات/ تذبح معناي/ ها أنا أنتعل حذاء التيه/ وأركض بين الغرباء/ لهم عادات قديمة/ يطوفون حول الانكسار/ ويعزفون العشق/ فوق كمنجات المعنى".

وتجتهد الشاعرة في خلق تلك الصورة الكسيرة للغجرية الصامدة أمام عوالم البؤس، مجسدة تجلياتها وهي تقاتل -بقوى أوهنتها الجراح- كوابيس الموت الفظيع المتربص بها جسديا ومعنويا.

هنا تستوي معاناة الرجل والمرأة معا، كلاهما يضعان يدا في يد بحثا عن مكان آمن وعن لقمة عيش، هنا حيث تذوب كل الهواجس والخصوصيات ليتوحد الإنسان ذكرا وأنثى ضد موت وشيك.

شعرية المفارقات
يشتد الصراع في القصيدة بين المتناقضات (الحب، الضياع، الحياة، الموت، الفرح، الحزن...)، مُولّدا معجما تقابليا لم تكن فيه الشاعرة بمعزل عن حلبته، حيث تلتحم الذات بهذه المرأة الغجرية مجسدة في كل الأجيال والحساسيات، ومعبرة عنها في شكل بوح شعري.

وما الذي يتبقى لغجر الأطلس في ظل تكالب فرص الموت غير الأناشيد والموسيقى والرقصات ليمارسوا إنسانيتهم التي ما عادوا يقدّرون لأية أزمنة تنتمي، ولا لأية خرائط هوياتية. فهم -بحسب المجموعة الشعرية- كائنات بشرية يرعاها التيه بحثا عن تيه آخر، وسط جغرافيات مضللة.

ما الذي يتبقى لغجر الأطلس في ظل تكالب فرص الموت غير الأناشيد والموسيقى والرقصات ليمارسوا إنسانيتهم التي ما عادوا يقدّرون لأية أزمنة تنتمي، ولا لأية خرائط هوياتية

وبالرغم من الموضوع الدرامي الذي اختارته التجربة الشعرية في هذه المجموعة، والذي يفرض إعطاء أولوية لتشييد الموضوع وهندسة المعنى، فإن الشاعرة لم تدّخر جهدا في تقديم الموضوع الشعري في أبهى صورة من أجل تغليف الدلالة القاسية للمعجم المنصرف إلى الكشف والتشخيص أكثر من التدبيج الجمالي.

ونلفي المفارقة والتعارض الساخرين بقدر ما نجد تنوع الإيقاع الشعري في القصيد الذي يتفاوت صعودا وهبوطا بحسب طبيعة تفاعل الذات مع الموضوع المطروق، ناهيك عن التصوير الاستعاري المشهدي الذي ترتكن إليه اللغة الشعرية في القصيدة، والكثافة الإشراقية التي تحيل على المرجعية الصوفية.

ولكي تخفف الشاعرة من قسوة المعجم الشعري، فقد عمدت إلى مدّه بنفس رومانسي لا تخلو منه حياة الغجر، أولئك الذين يعابثون مأساة ضياعهم في الجغرافيات باللهو والميل إلى الفُرجات والتغني بالحب والعشق المثاليين، وكأنهم يتحايلون على الموت، أو يسخرون من الحياة بشكل من الأشكال.

تقول نجاة الزباير "كنتُ بلا وطن/ فهاجرت غجرية في صوته/ لم أكن أرتدي حذاء غير ظله/ سافرنا في قطار القصيدة/ كانت الأرض تئن/ وكانت شفتاي مصلوبتين/ فوق جدار الرعب".

المصدر : الجزيرة