علي البتيري*

لا يقل صيادو الثقافة والإبداع في غابة الإنترنت خطورة على المجتمع وثقافته من جماعات السطو على المواقع الإلكترونية بقصد تعطيلها أو نهب محتوياتها (الهاكرز)، بل إن هواة الصيد الثقافي أشد خطورة.

فقراصنة الإنترنت (الهاكرز) يخططون للنهب والتخريب إلكترونيا ولهم مبرراتهم الخاصة بهم، أما من يصطادون نتاج غيرهم الثقافي والأدبي ويدعونه لأنفسهم فهم يعملون على تزوير الإبداع الأدبي والفني وإلقاء حقوق الملكية الفكرية وراء ظهورهم بأسلوب فاضح واستهتار واضح، فتصبح هذه الحقوق وأصحابها في مهب الريح.

وليت هؤلاء الظرفاء يصطادون أقوالا أو عبارات معينة من قبيل التضمين أو الاقتباس، وإنما يذهبون علانية وعلى رؤوس الأشهاد إلى اقتحام مواقع إلكترونية ومنتديات ثقافية وقنوات إبداعية ومكتبات وكتب مفتوحة للجميع على شبكة الإنترنت، فيمارسون هواية الصيد كما يحلو لهم، فيسرقون القصائد والقصص والمقالات والأبحاث، وأحيانا يأخذون فصولا من كتب أو كتبا كاملة فينتحلونها لأنفسهم ويضعون أسماءهم عليها كمؤلفين ومبدعين، وقد أداروا ظهورهم للأمانة العلمية والأدبية فضربوا بالصدق والأمانة عرض الحائط, معتدين بلصوصيتهم وصيدهم على نتاج وإبداع غيرهم.

من يصطادون نتاج غيرهم الثقافي والأدبي ويدّعونه لأنفسهم، يعملون على تزوير الإبداع الأدبي والفني وإلقاء حقوق الملكية الفكرية وراء ظهورهم بأسلوب فاضح واستهتار واضح

مهارة وشطارة
هذه اللصوصية التي باتوا يسمونها في غياب الضمير "مهارة" و"شطارة" و"براعة صيد"، ظانين أنهم قد أتقنوا دون سواهم اختصار زمن المعاناة والبحث وحرق الأعصاب لإبداع شيء جديد غالبا لا يرتقي إلى المستوى المطلوب..

في الحقيقة، لم يعد هذا الصيد الثقافي الحرام مقصورا على سرقة وانتحال كتابات أدبية إبداعية، وإنما تشعب واتسعت دائرته لتشمل البحوث والدراسات والإنجازات العلمية، حيث يوظفها هؤلاء الصيادون في إعداد الرسائل الجامعية لنيل شهادة الماجستير أو الدكتوراه.

ولعل اتساع رقعة نشر الكتب المرئية على الشبكة العنكبوتية من خلال المكتبات الرقمية من جهة، واعتقاد هؤلاء الصيادين المتجاهلين المتغافلين بأن المادة المنشورة على الإنترنت تنتمي إلى فضاء مفتوح ومتاح للجميع ولا حماية فكرية أو قانونية لها من جهة ثانية، قد شجّع هواة الصيد هؤلاء بعقولهم الضحلة أصلا ونفوسهم المتطفلة وجيوبهم الفارغة من عملة الإبداع، على التمادي في هوايتهم التي تحولت إلى احتراف لتقمص أتعاب وإنجازات غيرهم، دون أدنى اعتبار لحقوق الملكية الفكرية أو المواهب والقدرات الأدبية والفنية والعلمية التي امتاز بها غيرهم من أصحاب المواد المسروقة.

ولسان حال السارقين يقول: إذا فقدت الحياء العلمي والأدبي وتخدّر فيك الضمير الإنساني وأصبح الخلق وراء ظهرك، فاصطد ما شئت من غابة الإنترنت.

نعرف بعضا من هؤلاء الصيادين المهرة ونسمع عن بعضهم الآخر وقد تحولوا إلى باحثين موسوعيين وأدباء معروفين ومفكرين مرموقين بين عشية وضُحاها، وأصبحت لهم كتب ومجلدات تملأ رفوف المكتبات.

طامة ثقافية
والأمرّ من هذا أن هناك دور نشر أصحابها تجار يستعجلون الربح دون تمييز ثقافي أو أدبي أو علمي، أصبحت تروّج لنتاج هؤلاء الصيادين وتضع إصداراتهم القائمة على النهب والادعاء في معارض الكتب العربية والدولية، وهذه الطامة الثقافية الكبرى.

وعلى الرغم من فقر الموهبة وضحالة الفكر عند هؤلاء العباقرة المزورين، فقد أهلتهم هوايتهم -التي تحولت إلى مهنة- للحصول على عضوية جمعية أو رابطة ثقافية أو اتحاد ما في مجال الآداب والعلوم والفنون.

ما نخشاه أن استمرار حبل هذا الصيد الحرام على الغارب قد يمكّن واحدا من هؤلاء الصيادين البارعين من الحصول على جائزة أدبية أو علمية رفيعة أو على تكريم من جهة ما، وعندها يكون قد تجلى زمن الفوضى الثقافية في عالمنا العربي

وما نخشاه أنه إن استمر حبل هذا الصيد الحرام على الغارب أن يحصل واحد من هؤلاء الصيادين البارعين على جائزة أدبية أو علمية رفيعة أو على تكريم من جهة ما، وعندها يكون قد تجلى زمن الفوضى الثقافية في عالمنا العربي الذي بات يعاني من فوضى الأداء على أكثر من صعيد.

فهل ستنقلب الثقافة العربية رأسا على عقب كسيرة الخاطر مشوهة الملامح، أم أننا سنتدارك الأمر فننتبه إلى ظاهرة الصيد الثقافي هذه لنضع لها حدا؟

بصراحة أكبر، ما زال يجري في السر والعلن استيلاء على نصوص أدبية وعلمية وفنية يعمل صيادو الإنترنت على اختطافها ومن ثم دبلجتها وإعادة إنتاجها بالحذف والتنقيح أو الزيادة عليها بطريقة سقيمة ومزاجية، دون اعتبار أو حساب لأصحابها المبدعين الحقيقيين.

ويحضرنا في هذا الصدد ما ذهبت إليه إحدى المجلات العربية قبل سنوات "المصور المصرية" وهي تلقي الضوء على هذه الظاهرة المزعجة والمقلقة، حيث أشارت تحت عنوان "لصوص بدرجة دكتوراه" إلى تسلل هواية الصيد الإلكتروني هذه إلى الحرم الجامعي، واصفة إياها بالبقع السوداء في ثوب البحث الأكاديمي في الجامعات المصرية.

صحيح أنه ظهر على شبكة الإنترنت من يقاوم هذه الظاهرة الخطرة ويدعو إلى الكف عن السرقات العلمية والأدبية من خلال تأسيس نادٍ اسمه "نادي لصوص الكلمة"، حيث أشار صاحب هذا الموقع النزيه إلى تمكنه من الكشف عن سرقات كبيرة قام بها أصحاب أسماء معروفة لم يلبثوا أن طلبوا منه حذف أسمائهم، ولكن هذه المبادرة الفردية المحدودة لا تكفي، إذ لا بد من مبادرات وخطوات جادة تمكننا من التصدي لهذا الوباء الثقافي الجديد والمشين.

لا بد أن يكون للمبدعين والمثقفين الحقيقيين الشرفاء دور بارز وشجاع في فضح وتعرية هذه المحاولات المكشوفة رغم تسترها وتخفيها، والمطلوب إقامة الحد الثقافي والقانوني على هؤلاء الصيادين الذين حولوا التناص إلى تلاص، على حد تعبير أحد الغيورين على الملكية الفكرية العربية.

ولا بد أيضا أن يكون للمؤسسات الثقافية واتحادات الكتاب والأدباء وجمعيات الملكية الفكرية دور هام تضطلع به في معالجة هذا الإشكال الثقافي الذي لا يجوز السكوت عنه، أو التردد إزاء مواجهته.
_________________
* كاتب وشاعر فلسطيني

المصدر : الجزيرة