عاطف دغلس-جنين

يختزن الفلسطيني أحمد اغبارية في ذاكرته حكاية المخيم من التشرد والموت والحياة ويعرف تفاصيلها بدقة، غير أن للاجتياح الذي عاشه مخيم جنين مطلع أبريل/نيسان 2002 طعما آخر من المرارة والقهر.

وبعد مرور 13 عاما على الاجتياح ومأساته، لم ينس اغبارية (76 عاما) ما راكمه الاجتياح من دمار وخراب وأشلاء بعضها فوق بعض، كان بعضها لنجله واثق الذي قضى شهيدا بعد أن استشرس وعشرات المقاومين دفاعا عن مخيمه.

  اغبارية يسترجع ذكريات الاجتياح المريرة  (الجزيرة)

ذكريات
ويعود اغبارية اليوم ليرى صورا ولوحات فنية تُخلد الاجتياح وكل أركان المعاناة التي رافقته، أبدعت أنامل فنانين فلسطينيين من المخيم وخارجه من محافظة جنين بتشكيلها ونسق ألوانها.

ويقول اغبارية للجزيرة نت "لم يغب عن بالي يوما تكالب جيش الاحتلال على المخيم وهو مدجج بأعتى أسلحته من الدبابات والطائرات والجنود ليعيدوه للتشريد والتهجير، لكنه صمد بأجساد أطفاله وشيوخه ومقاوميه".

وجسّد خمسة فنانين من مخيم جنين وخارجه بنحو أربعين لوحة فنية معركة المخيم واجتياحه على أيدي قوات الاحتلال الإسرائيلي، في معرض فني أقيم وسط المخيم أمس السبت ويستمر لمدة أسبوع.

وتلاقت الأعمال الفنية المشاركة في زوايا عديدة جمعت بين الأمل والألم والحرية والقهر، وأخرى سردت حكاية الظلم التي عاشها المخيم عبر مجسمات فاقت الوصف لما جرى من أحداث آنذاك.

 تغريد أبو شهاب شاركت بخمس لوحات   (الجزيرة)

تنوع
وفي لوحاتها الخمس، روت الفنانة التشكيلية تغريد أبو شهاب تفاصيل الاجتياح، فأسمت إحداها "القهر" وثانية "الأمل" وثالثة "قذيفة" لتروي حكاية تلك القذيفة التي خرجت من فوهة المدفعية الإسرائيلية لتخترق جدار المخيم وتنثر الدماء من حوله، ويظهر في الجانب الآخر الرحيل خوفا من الموت.

واختارت أبو شهاب لوحاتها بعناية ودقة، ورأت أن كل "قصة بحد ذاتها، فهي تشابه واقع المخيم آنذاك، وقد زرت المخيم بعد أسبوعين من الاجتياح ورسمت صورته في مخيلتي ثم جسدتها لاحقا في هذه اللوحات وغيرها".

وحول المعنى نفسه، عبر الفنان محمد الشريف في لوحات انطبعت بنمط الفن المعاصر، للتعريف بالظلم "الذي يعرض له الشعب الفلسطيني بأكمله وليس في المخيم فحسب عبر لوحته عالم مظلم".

ويرى شريف أن قدرته على الابتكار أكثر بمدرسة الفن المعاصر، واستطاع إيصال رسالته بشيء من "الإنسانية الصحيحة" لهذا العالم الذي لا يزال يتغاضى عن الظالم (إسرائيل) ويأخذ بيده نحو ظلم أكبر. ويضيف "أخرجت الناس من الألم للأمل ومن القهر للحرية، وكانت رسالتي واضحة بأن الاحتلال لا يفرق بين مخيم وقرية ومدينة، فالكل عانى اضطهاد الإسرائيلي وظلمه".

 أعمال الفنان شلبي اتسمت بالواقعية (الجزيرة)

توثيق
ولا يلبث نجم معرض "معركة المخيم" أن يسطع وسط المخيم حتى ينطلق ليجوب مراكز ومؤسسات ثقافية بمحافظة جنين، ليذكر الأجيال القادمة بحكاية مكوناتها أكثر من خمسين شهيدا فلسطينيا وهدم ستمائة منزل ومئات الأسرى والجرحى، وكيف صمد مخيمهم 21 يوما بوجه جيش بكامل عدته وعتاده.

ويقول الفنان التشكيلي محمد شلبي الذي تميز بتقديمه 17 لوحة ومجسما كاملا يظهر الاجتياح بكل مجرياته "لم يكن أهل مخيم جنين ليصمتوا على اجتياح مخيمهم واقتلاعهم من أرضهم مرة أخرى". ويبدأ شلبي لوحاته بطفلة تلعب وسط المخيم لتغير عليها طائرات الاحتلال ومدفعيته الثقيلة فتفتت حلمها وحلم شعب بأكمله يبعث دوما برسائل السلام والمحبة.

وأكمل شلبي رسوماته بعمل مجسم يُصور الاجتياح ومحاصرة مخيم لا تزيد مساحته على كيلومتر مربع بمئات الدبابات والآليات العسكرية والجرافات والطائرات أيضا، وهو ما أضفى لونا آخرا بالمعرض الذي حظي بإقبال جمهور واسع من أبناء المخيم وغيره.

المصدر : الجزيرة