هيثم حسين

يفكك الإنجليزي جون فاولز في روايته "جامع الفراشات" السياسات والدوافع التي تقود المرء إلى ارتكاب بعض الأفعال، والبحث عن القيمة المفقودة والاعتبار المنشود، من خلال السطو على حياة الآخرين وهدر أحلامهم، في مسعى لتحقيق الذات والانتقام لها، والنظر إلى الجميع بمنظار العداء، وتقسيم العالم بين طرفين متعاديين متنافرين, لا تجمع بينهما سوى مشاعر الضغينة ومحاولات الثأر.

يلفت فاولز (1926-2005) النظر إلى أهمية الجانب الأسري في بلورة شخصية الفرد في المجتمعات المركّبة، ذلك أن الطفل الذي تربى في أسرة مفككة، يجد نفسه في مهبّ دروب الضياع والجهل، ويبدأ بالتعاطي مع الآخرين من منطلق تهميشه وموقعه المفروض عليه، مما قد يزرع الحقد في قلبه على الأبرياء، فيتوهم أن المجتمع قد ظلمه، وأنه يمارس بحقه التشويه والتجريم من دون أن يكون له في ذلك أي خيار.

المقامر الحاقد
يسرد فاولز حكاية بطله فرديناند الذي يكون موظفا مكتبيا هامشيا، يعيش نوعاً من الانعزال عن المحيطين به. يدأب على المقامرة أسبوعيا، فيصادفه الحظ أن يربح مبلغا كبيرا من المال، يبدأ بعده بالتخطيط لإرواء نزواته المجنونة، فيحاول الانتقام لماضيه من جميع الناس. يعتقد أن بإمكان المال أن يحقق له السعادة ويعوّضه عما فقده من دفء وحنان، وهو الذي فقد والده صغيرا، وكانت أمه غير مبالية تمضي في حياتها الصاخبة بعيداً عنه وعن رعايته، فيظل في كنف عمته، ويعيش عزلة قاهرة تؤثر على نفسيته وتبقيه مقيدا بأحاسيس الدونية واحتقار الذات.

يراود بطل الرواية إحساس لا يزايله حول بؤسه، وبرغم أنه يملك مبلغا كبيرا من المال فإنه يفشل في الاندماج مع غيره، بل يتعاظم لديه شعور الاغتراب، فيحاول أن يحظى بما يمكن من تقدير.. فيشتري بعض الأشياء، ويقرأ ما يجول في أعماق مَن يشتري منهم، ويظن أنه بنقوده قد يتمكن من شراء احترامهم له، في حين أنه يضيع الخيط الفاصل بين تقدير المرء وتقييمه بناء على ما هو عليه، وما يملك.

فرديناند انطوائي عاجز عن التواصل مع أحد، يؤدي وظيفته بهدوء، يهتم بجمع الفراشات واصطيادها، ووضعها في أقفاص وإجراء التجارب عليها، ومن ثم ترتيب جثثها في أدراج خاصة، يصبح خبيرا في التقاطها.. وحين يربح في مقامرته، يشتري آلة تصوير، ينمي هوايته في التصوير، فيبدأ بالتقاط صور للآخرين عن بعد، في وضعيات مثيرة وغريبة، وينتقل من عالم الفراشات إلى عالم البشر، يحاول تطبيق إستراتيجيات الصيد التي تراكمت لديه على فتاة اسمها ميراندا، لتكون فراشته القادمة التي سيحبسها في بيته، ويجري عليها تجاربه المجنونة في الاكتشاف والبحث عن القيمة والاعتبار.

يخطط فرديناند لخطف ميراندا التي تهتم بالفن والرسم، يقتفي أثرها، يراقبها، ثم ينجح في الإيقاع بها، وأخذها إلى بيته الريفي الذي جهزه كسجن مرفه لها. يحاول تلبية جميع طلباتها، يخبرها أن تطلب ما تشاء ليشتريه لها، لكنها تطلب منه أن يحررها، وتحار في أسبابه ودوافعه، تدخل معه في نقاشات مطولة حول الخير والشر، القبح والجمال، الفن والأدب والحياة، تظهر له مدى بشاعته من الداخل، وتكشف له أن العالم ليس منقسما بشكل طبقي فقط، بل يمكن للمرء اختيار وسطه الاجتماعي والسعي للانخراط والاندماج فيه، حين يتحلى بجرأة الاعتراف بالأخطاء، وقوة الشخصية.

لا تفلح محاولات الفتاة في الهرب من سجنها.. تذوي يوما بيوم، جسدها الغض لا يتحمل قسوة القبو الذي ترمى فيه ورطوبته وعتمته، تبحث عن الانطلاق والهواء والشمس والدفء، تطلب من سجانها أن يطلق سراحها وأنها ستلبي له ما يطلبه منها، تحاول إغواءه تارة وقتله تارة أخرى، لكنّها لا تنجح في الهرب، وتفقد الرجاء إثر مرضها المميت.

وبعد موتها يبقى فرديناند مصدوما حائرا ضائعا، ثم لا يلبث أن يخطط للتخلص من جثتها، والسعي لأسر ضحية أخرى تشبهها بالشكل والاسم، أي يكمل دائرة العبث والإجرام من دون أن يطاله العقاب. يكون عقابه الكبير تجرده من إنسانيته، وتحوّله إلى وحش بشري بصورة جامع للفراشات.

منطق الثأر
يعالج فاولز إشكالية البنية الاجتماعية والنشأة السليمة، وكيف أن افتقاد الجوّ الأسري يؤثر على تركيبة المجتمع برمته، وذلك من خلال توصيف الحقد المتنامي من قبل الشخصية على مجتمعه، ورؤيته له على أنه أساس المشكلة، والتعاطي مع الجميع على أساس طبقي، بحيث يلازمه شعور القهر والأسى جراء منبته الاجتماعي، مما يمنعه من تأسيس علاقات سوية، ويصبح عاملا مساعدا في دفعه إلى هاوية الإجرام والانتقام.

يشير الروائي إلى أهمية القدرة على التماسك لدى الإنسان في مختلف الحالات، وتفهّم الأسباب والدوافع، والتعامل بعيدا عن منطق الثأر، وعدم تحميل الآخرين جناية أخطاء الأهل، والإبقاء على جسور التواصل الاجتماعي، لأن العلاقات والصداقات تساعد في تبديد الأحقاد المتراكمة، وتهيئ المرء للدخول في دائرة الاحترام المتبادل، وواقع أن تفتيت الكيان الاجتماعي يبدأ بالحلقة الأصغر، ولا يتوقف عند حد بعينه، جرياً على القول "معظم النار من مستصغر الشرر".

يصف فاولز الجنون الذي يتلبّس بعض البشر في حالات بعينها، وكيف أن الغنى امتحان قاسٍ لا يتحمله أيٌّ كان، وقد يضيع المرء بوصلته الإنسانية حين يعتقد أن المال هو كلّ شيء في العالم، وأن بإمكانه شراء الاحترام والتقدير والقيمة.

كما يركز على توصيف حالة الضحية الذي يصبح جلادا، وكيف أن الانتقام الذي يقيده لا يبقي له مجالا للتعقل والتفكر في أي شيء، بل يجرده من إنسانيته، ويضاعف من دور الضحية لديه، بحيث يعيش حالة من التخبط يفقد على إثرها كل شيء، ويمثّل حينذاك خطرا كبيرا على نفسه وعلى مَن حوله.

يحاول فاولز تنبيه قرائه إلى عدم الانسياق وراء النظرة المقيدة والمظاهر الخداعة، وذلك عبر رصد وتفكيك التصورات المرافقة للثراء والفقر لدى شرائح تبني علاقاتها على أساسها، بغض النظر عن بناء الشخصية، مما يفقد المرء الانتماء إلى ذاته وأسرته ومجتمعه، وقد يضعه في خانة الأشياء التي تكتسب قيمتها بأثمانها، وهذا ما يخلق فجوة في العلاقات الإنسانية، ويزرع بذور النقمة والغضب لدى مَن يجدون أنفسهم في زوايا ضيقة، ويعاملون كضحايا، مما قد يتسبّب في تحويلهم إلى جلادين محتملين شرسين.

المصدر : الجزيرة