حاوره/ الخير شوار-الجزائر

يتحدث الشاعر الجزائري سليمان جوّادي في هذا الحوار الذي خص به الجزيرة نت عن تراجع القصيدة الأغنية في الجزائر، مع استمرار ظاهرة أغنية الراي التي تتجه نحو "التخلص" من الكلمات والاكتفاء بترديد جمل قصيرة، وهي الظاهرة التي يقول إنها تعبّر عن "استخفاف بالجمهور".

وفي ظل الحديث عن "فضيحة" مطرب الراي الشاب خالد وخسارته لقضية أغنيته الشهيرة "دي دي"، يعود بنا جوادي إلى قضية مشابهة وقعت له مع الفنان نفسه عندما دخل ضده في قضية حقوق إحدى الأغنيات وكسبها في النهاية، ويحدثنا عن تفاصيل في القضية تُنشر لأول مرّة.

وسليمان جوادي واحد من أبرز الشعراء الجزائريين ضمن ما عرف بـ"جيل السبعينيات" وواحد من أشهر كُتاب الأغاني لأشهر الفنانين باللغة العربية الفصحى وبالعامية، ومن أعماله الشعرية المطبوعة: "يوميات متسكع محظوظ"، "أغاني الزمن الهادئ"، "ثلاثيات العشق الآخر"، "ويأتي الربيع" "قصائد للحزن وأخرى للحزن أيضا"، "رصاصة لم يطلقها حمة لخضر"، "قال سليمان"، "لا شعر بعدك".

 إضافة إلى دواوينك الشعرية المتعددة، كتبت كلمات الكثير من الأغنيات الشهيرة في الجزائر، كيف كانت التجربة وهل توقفت عنها بعد كل تلك السنين؟

نفاق الحكومات المتعاقبة هو الذي مكن لأغنية الراي من الريادة والسيادة وجعل أصحابها أهم من كل المثقفين والكتاب والمطربين الذين لا يؤدون هذا النوع من الغناء

أعتقد أنني استطعت أن ألبي رغبة كانت كامنة بداخلي منذ نعومة أظافري وأن أرضي قليلا من الغرور الفني والأدبي في تلك الفترة المبكرة من عمري، حيث ولجت هذا العالم وسني أقل من العشرين. ووجدت في الساحة الفنية من يأخذ بيدي، سواء من حيث المسؤولون في مؤسسة الإذاعة والتلفزيون أو من حيث الشعراء الذين يؤلفون كلمات الأغاني على غرار الشيخ محمد الأخضر السائحي وأبي القاسم خمار وعمر البرناوي.

اهتم الملحنون والمطربون بما أكتب، وهو الأمر الذي شجعني على الاستمرار وعلى أخذ الموضوع بجدية أكبر واهتمام أكثر، وأزعم أنني استطعت أن أوفق في كتابة أغنية نظيفة جميلة وصلت المتلقي فأحبها ورددها لسنوات عدة، سواء تلك التي كتبتها بالفصحى أو بالعامية المهذبة.

في الحقيقة أنا لم أتوقف عن الكتابة، لكن ربما هناك انكفاء من طرف الملحنين والمطربين عن الاتصال بي، ثم إن رحيل رفيق دربي الموسيقار الكبير محمد بوليفة كان له الأثر البالغ في تقلص ظهوري وانحسار نشاطي الفني.

 يبدو أن الكثير من فناني أغنية الراي في الجزائر في طريقهم إلى "الاستغناء" عن الكلمات والاكتفاء بلازمة واحدة، هل هو التمرد أم الإفلاس؟

لا هذا ولا ذاك.. استغناؤهم عن الكلمات واكتفاؤهم بلازمة ليس تمردا ولا إفلاسا بقدر ما هو استخفاف بجمهور هذا النوع من الغناء الذي يرى أنه وسيلة لاستخراج مكبوتاته والتنفيس عن الضغط الذي يحياه من خلال الرقص.. فالأغنية الرايوية التي تفي بالغرض لدى هذا النوع من الجمهور هي الأكثر صخبا والأسخف كلمة والأقرب إلى السوقية والابتذال، وهي ظاهرة تحتاج فعلا إلى دراسة جادة.

 هل هذا يعني أن عصر القصيدة الأغنية انتهى؟

لم ينته عصر القصيدة الأغنية لكن انحسر جمهورها وقل روادها ومتذوقوها.. الأغاني الطربية ما زالت رائجة لدى جمهور المثقفين وما زال كثير من الفنانين يؤديها بتمكن واقتدار. أندهش عندما أحضر بعض الفعاليات الثقافية في مختلف أنحاء الوطن من الذوق الرفيع لبعض شبابنا وأعجب من أدائهم الجيد والآسر لروائع أم كلثوم ووردة الجزائرية وغيرهما من فطاحلة الغناء العربي.

 منذ بداية ثمانينيات القرن الماضي والخطاب السائد يقول إن "أغنية الراي مجرد ظاهرة عابرة"، لكنها ترسّخت في وقت تكاد تختفي فيه "الطبوع" الأخرى، لم ذلك في رأيك؟

المشهد المحلي الجزائري غلب عليه النفاق واللامبالاة وتفريط الحاكم في المحكوم.. وأخشى ما أخشاه في الجزائر أن يأتي يوم تندم فيه السلطة على هذا التفريط وحينها لا ينفع الندم

لعلك توافقني إذا أعلنت لك أن مشكلة أغنية الراي في ابتذال كلماتها وسذاجة مضامينها، أما موسيقاها فخفيفة تعتمد على نوتات قليلة من السهل الممتنع الذي يستهوي الشباب خاصة، والذين راهنوا على أن أغنية الراي ظاهرة عابرة هم الذين ذهبوا من دون أن يعطوا بديلا جيدا وجميلا لإزاحة هذه الظاهرة ولم يكلفوا نفسهم تشجيع الأغنية النظيفة الملتزمة.

نفاق الحكومات المتعاقبة هو الذي مكن لأغنية الراي من الريادة والسيادة وجعل أصحابها أهم من كل المثقفين والكتاب والمطربين الذين لا يؤدون هذا النوع من الغناء.. كان لتدهور ميزان القيم عامل كبير في تكريس الرداءة في شتى ميادين الحياة الثقافية والاجتماعية والسياسية، وأنا معك حين تذهب إلى أن طبوعا أخرى تكاد تختفي طبوع تمثل الفن الجزائري الأصيل كالأغنية الصحراوية أو الأغنية الشاوية القديمة.

 على ذكر أغاني الرأي، كانت لك تجربة "سيئة" مع الشاب خالد، عندما كتبت له أغنية "حتى أنت طوالو جنحيك" في ثمانينيات القرن الماضي، وأنكر صلتك بها، كيف تستعيد تفاصيل تلك القضية التي كسبتها في النهاية؟

في الحقيقة كانت المشكلة بين خالد والموسيقار قويدر بركان، هذا الأخير الذي رفع قضية ضد خالد الذي ادعى أن الأغنية من كلماته وألحانه..  شخصيا لا أريد العودة إلى التفاصيل لأن الشياطين تختفي في طياتها، لكن تمنيت صادقا لو لم ينزل خالد إلى ذلك المستوى وترك لكل ذي حق حقه. وبالمناسبة -ولعلها حقيقة مؤلمة أفضي بها لأول مرة- أثناء مجريات القضية اتصلت أنا والملحن قويدر بركان بالسيد حكيم توسار المدير العام السابق للديوان الوطني لحق التأليف والحقوق المجاورة الذي طلب ملفي فتفاجأنا بعدم وجود الأغنية المتنازع حولها وهي "حتى أنت طوالو جنحيك"، لكن لأن الفاعل غبي فقد أبقاها في اللائحة التي تحمل أسماء الأغاني التي سجلتها بالديوان في نفس اليوم.

لا أعتقد أن الشاب خالدا ينزل مستواه إلى هذه الدرجة، ولكن الشخص الذي تطوع بفعل ذلك والذي عزل من منصبه وطرد من الديوان إنما فعل فعلته تقربا من خالد على حساب مهنته والأمانة التي وضعها فيه مسؤولوه.

 وكيف هي علاقتك حاليا بالشاب خالد؟

كتبت له أغنية بمناسبة الذكرى الخمسين للاستقلال أداها مع محمد الجبالي من تونس والشاب إلياس من المغرب. أما العلاقة الشخصية فهي كما يقول الجزائريون "علاقة صباح الخير مساء الخير" فقط.

 بعيدا عن الأغنية، كتبت عن كثير من القضايا الوطنية والقومية، كيف تقرأ مسألة الالتزام في هذا العالم المتحوّل؟

في الحقيقة أنا أكتب عادة ما أراه صائبا وصادقا من وجهة نظري، فأنا ملتزم بقناعاتي وهمومي الحياتية التي هي في الغالب هموم وقناعات الأغلبية الساحقة من المجتمع.

 وكيف تقرأ المشهد المحلي والعربي في هذا السياق؟

المشهد المحلي الجزائري غلب عليه النفاق واللامبالاة وتفريط الحاكم في المحكوم.. وأخشى ما أخشاه في الجزائر أن يأتي يوم تندم فيه السلطة على هذا التفريط وحينها لا ينفع الندم.. أما المشهد العربي فمخاضه عسير جدا ولا ينبئ بفرج قريب.

المصدر : الجزيرة