حاوره/بوعلام رمضاني-باريس

الحديث مع الممثل الكوميدي والروائي محمد فلاق في السياق العربي والجزائري والفرنسي الراهن يكتسب أهمية كبيرة، فهو صاحب أسلوب سريالي وساخر وشاعري في الآن ذاته، ويضع كل ذلك في قالب لاذع للنظام الجزائري ولسلوكيات المجتمع.

 كيف تقيّم رحلتك الفنية في الجزائر؟
قبل دخول الجزائر في "فوضى ديمقراطية" كنت سعيدا بتمثيلي في المسرح الوطني الجزائري إلى جانب عمالقة من أمثال الراحلَيْن بن قطاف ومجوبي، وصونيا وآخرين، ولولا العنف لما لجأت إلى تونس قبل أن أقيم نهائيا في فرنسا.

بعد أن مثلت لكتاب جزائريين وعالميين غزتني حاجة التعبير عن واقع تراجيدي كوميدي ينسجم مع ذاكرتي ومزاجي وحساسيتي الفنية المعبرة عن واقع جزائري سريالي وعبثي عشته طفلا ومراهقا وسط الشعب في حي باب الوادي الذي ألهم أيضا المخرج الكبير مرزاق علواش صاحب فيلم "عمر قتلاتو".

بعد أن مثلت لكتاب جزائريين وعالميين غزتني حاجة التعبير عن واقع تراجيدي كوميدي ينسجم مع ذاكرتي ومزاجي وحساسيتي الفنية المعبرة عن واقع جزائري سريالي وعبثي عشته طفلا ومراهقا

أمام واقع سياسي أدى إلى إهانة الشعب تحولت الكوميديا عندي إلى سلاح أدبي وفني يسمح بإيجاد توازن ينقذ المواطن من الانهيار، والأمر ما زال كذلك حتى يومنا هذا.

فكريا أنا إنساني النزعة وأمقت التطرف بغض النظر عن مصدره وأحارب الحمق والتطرف بكل أشكاله، والسخرية وسيلة لم أكرسها لنقد الإسلاميين فقط، فالكثير من الإسلاميين يشجعونني على نقد حكام الجزائر ويقولون لي في قارعة الطريق بالدارجة الجزائرية "يرحم باباك يا شيخ.. زيد لهم".

والإسلاميون أنفسهم سهروا على تصليح سيارتي القديمة من نوع "رينو 4" التي اصطدمت بمسجد الفتح الذي كان إحدى قلاع الجبهة الإسلامية في باب الوادي بالعاصمة ورفضوا أن أدفع لهم مالا.

 أنت تقول إن مفهوم السريالية الشاعرية يعكس شخصية الجزائري وواقعه، وأنك تتغذى منه، كيف يحدث ذلك؟
وصلتني مؤخرا نكتة طازجة مفادها أن أسدا مريضا كان في حاجة إلى بيطري لعلاجه قبل هروبه من حديقة الحيوانات، قطع الأسد العاصمة ودخل مستشفى مصطفى باشا الكبير، وعوض أن يهرب المواطنون الذين كانوا مصطفين في طابور طويل منذ الصباح الباكر راحوا يحتجون صارخين لماذا لم يحترم الأسد الطابور ودخل قبلنا!

السريالية الشاعرية تطبع واقع الجزائريين، خاصة حينما يتعلق الأمر بالحب وأنواع الكبت المختلفة، أنا ابن الشعب الجزائري الطيب والحساس وأغرف من واقعه بامتياز، السريالية الشاعرية في الحالة الجزائرية تتجاوز مفهوم الواقعية الساحرة أو الغريبة من منظور غابرييل غارسيا ماركيز وبولكاكوف وكافكا أيضا.

 ما هي عروضك الفنية الأقرب إلى قلبك؟
كل عروضي تدور في فلك المقاربة الفنية التي ذكرتها رغم خصوصية كل عمل، وكلها عزيزة على قلبي، وتبقى الفترة الممتدة بين 1988 ونهاية 1993 الأقرب إلى وجداني، ولست مستعدا لأن أنسى انفجار الجمهور ضحكا في قاعة ابن زيدون بالجزائر العاصمة وهو يشاهد عرضي "كوكتيل خوروتوف" و"بابور أستراليا"، لم أكن راضيا على عرض "إس أو إس لا باس" الذي كتبته بسرعة، ولكني تداركت الأمر في كل العروض التي قدمتها في فرنسا، خاصة "جرجراسيك بلاد".

أنا أواجه بفني كل المتطرفين الدينيين والأيديولوجيين وصناع الحماقة الإنسانية ومحترفي العنف واللاتسامح والقهر، وإذا كانت سخريتي تذهب بعيدا أحيانا فلأن المجتمع أصبح عنيفا

 استخدامك السخرية لنقد الواقع الجزائري أمام جمهور فرنسي دفع بعض منتقديك إلى الخلط بين السخرية والتهكم الذي يسعد الكثير من الفرنسيين الذين يحنون إلى الجزائر الفرنسية، ما هو تعليقك؟
هذا النوع من الفرنسيين ليسوا في حاجة إلى ممثل كوميدي للتهكم على راهن الجزائر في عصر أصبح فيه العالم قرية واحدة، وتأويل عروضي بهذا الشكل يعد أمرا في قمة السخافة ويهين الشعب الجزائري، أنا أبكي على الجزائر في تقدير الذين يفهمون قراءة عروضي فنيا ورمزيا، وخلافا لما يعتقد أعدائي الذين يمثلون أقلية فإن كل الفرنسيين الذين يأتون لمشاهدة عروضي معجبون بالجزائريين الذين أمثلهم، حرية فكري وجسدي فوق الخشبة ومناهضتي كل أشكال التطرف هي التي تقلق أعدائي.

 تقصد تطرف الإسلاميين والوطنيين الشوفينيين؟
أقصد كل المتطرفين الدينيين والأيديولوجيين وصناع الحماقة الإنسانية ومحترفي العنف واللاتسامح والقهر، وإذا كانت سخريتي تذهب بعيدا أحيانا فلأن المجتمع أصبح عنيفا، أتحدى من يدعي أنني طعنت في الدين أو في الإسلاميين كتوجه، وهناك فرق بين التدين والتطرف.

 هل هذا يعني أنك تدين ما قامت به صحيفة شارلي إيبدو باسم حرية السخرية من كل شيء دون حدود؟
هي قامت بذلك بناء على سياق تاريخي وثقافي لا يعني بالضرورة المجتمع الذي أنتمي إليه، وهو المجتمع الذي يقدس القيم الدينية، وليس صحيحا القول إنه يمكن السخرية من كل شيء وفي كل الظروف، لكن قتل الذين نختلف معهم باسم الدين أو الأيديولوجيا هو قمة الحماقة.

حتى نقطع الطريق على المثقفين المتطرفين في الغرب علينا ألا نمنحهم فرصة تبرير خوفهم من الإسلام جراء سلوك أقلية عنيفة تتحدث باسم إسلام متسامح تربينا في أحضانه

 وما ردك على مثقفين فرنسيين أخذوا مؤخرا في الساحة الإعلامية حيزا غير مسبوق بسبب طعنهم في المسلمين والمهاجرين باعتبارهم خطرا يهدد العيش الثقافي المشترك؟
قلت ذلك في قالب ساخر وجاد في الوقت نفسه، ولكن هؤلاء المثقفين لا يمثلون كل الفرنسيين ووجدوا في التطرف الذي أدينه فرصة للكشف عن عنصريتهم المتأصلة في توجههم التاريخي، وهم من المتطرفين الذين يمثلون الحماقة العبثية القصوى.

أنا واحد من المهاجرين الذين يعيشون في سلام مطلق مع فرنسيين أختلف معهم في كثير من الأشياء، وجمهوري المكون من عرب ومسلمين وفرنسيين وأجانب يدحض مقولاتهم، وحتى نقطع الطريق على هؤلاء المثقفين المتطرفين علينا ألا نمنحهم فرصة تبرير خوفهم من الإسلام جراء سلوك أقلية عنيفة تتحدث باسم إسلام متسامح تربينا في أحضانه.

 قلت إنك بصدد كتابة عرض جديد سيكون جاهزا في أكتوبر/تشرين الأول القادم، هل بإمكانك مدنا بفكرة عنه؟
سيكون عنوان العرض "بلاد العدّاء" (بلاد رانر)، وهو نموذج آخر للسريالية الشاعرية والواقعية الساحرة، وكما جرت العادة سأمثل حالات الجزائري الذي يجري وراء البلاد الهاربة منه، سواء تعلق الأمر في الداخل أو الخارج.

 أنت أيضا روائي، لكن كتبك غطت عليها شهرتك المسرحية..
كتبت روايات وأبحاثا مثل "شارع الحيتان الصغيرة" (2001)، و"في الجزائر" (2002)، و"كيف تصنع الكسكس"، و"ملحق العلاقات الجزائرية الفرنسية الصغير" (2003)، و"الجمل الأخير وقصص أخرى" (2004)، و"موقد الأحلام البربرية" (2007)، "وميكانيكي يوم الجمعة" (2010).

كما أصدرت مؤخرا رواية "أمل.. آمال"، وهي حوار بين متفائل وآخر متشائم، وقصدت بذلك أن الأمل في غد جزائري أفضل ما زال معلقا حتى إشعار جديد، كما أنني بصدد كتابة رواية جديدة أفضل الحديث عنها بعد الانتهاء منها.

المصدر : الجزيرة