إبراهيم صموئيل*

في الغالب الأعم يعكف الكتاب على إنشاء أعمالهم الأدبية المتنوعة وفي داخلهم قدر كبير من الثقة  أو الأمل بأن مؤلفاتهم هذه ستحقق النجاح وتلقى القبول والإعجاب، وتمكث في ذاكرة القراء لفترة طويلة، أو بالتأكيد لفترة أطول مما تقيّض لها الحياة الثقافية أن تبقى عليه.

وبالطبع، لا يعني ذلك أنهم لا يقلقون على أعمالهم, أو يتشككون في احتمالات نجاحها، أو يتوجسون من إمكانية عدم تجاوز وليدهم مرحلة الصبا, إما لضعف في العمل، أو لقوة أعمال أخرى، أو بسبب أقدار ومعطيات ملتبسة -وما أكثرها!- لطالما استعصت على الكشف والضبط والتحديد.

وكما هو معروف، فإن العديد من الأعمال الأدبية -ماضيا وحاضرا- بذل لها كتابها ما بذلوا من عناية، وبثوا فيها من أرواحهم ورؤاهم حتى باتت -في الميزان النقدي الموضوعي- تستحق مكانة متقدمة في المشهد الثقافي.. غير أنها برغم ذلك لم تنل غير الإهمال أو القليل مما تستحق.

أهمية الكتابة
ولولا الشعور العميق لدى الكاتب بأن ما يكتبه سيحتل موقعا، ويدوم أثره بين القراء والوسط الثقافي لما بذل فيه من الطاقة والجهد والاهتمام، ولما أعاد مرارا ومحص ودقق، بل قل لما ألّف أساسا. أما بعد نشر الكتاب وانفصاله عن رغبات صاحبه وآماله به، فستكون له حياته ومصيره في مواجهة المجهول.

هناك أعمال ألفها أصحابها جراء رغبة عابرة لا جذور لها، أو بطلب من جهة ما، أو لعوزهم المالي، أو مقاومة لسنوات المرض التي أقعدتهم، أو لما شابه من أسباب ودوافع ليست أصيلة الانتماء لعالم الأدب، ورغم ذلك حظيت بإعجاب هائل

بالمقابل -على الضفة الأخرى- سنقع على حال مختلفة تماما، إذ سنجد أعمالا ألفها أصحابها جراء رغبة عابرة لا جذور لها، أو بطلب من جهة ما، أو لعوزهم المالي، أو مقاومة لسنوات المرض التي أقعدتهم، أو لما شابه من أسباب ودوافع ليست أصيلة الانتماء لعالم الأدب، وبرغم ذلك قد يحدث وتحظى بإعجاب هائل، وتنال إجماعا لا يخطر على بال، وتبقى ماثلة في الذاكرة جيلا بعد جيل.

لنتذكر أن سرفانتس حين عكف على تأليف "دون كيخوتي" إنما كان يفكر في إنجاز عمل ذي طابع ساخر من عصر النبلاء والفرسان، يقوم على تصوير مفارقات وتباينات هزلية، من دون أن يخطر له إطلاقا أن كتابه سيكون تاج الأعمال الخالدة، وملتقى إجماع الشرق والغرب على جدارته بالحياة، ومضرب الأمثال على الاستمرار والحضور والألق والتأثير منذ ظهوره بداية القرن السابع عشر (1605) حتى يومنا الحالي.

ولنتذكر أيضا أن الشهيرة الأميركية مارغريت ميتشل (1900-1949) حين كتبت روايتها الوحيدة اليتيمة "ذهب مع الريح" خلال السنوات (1930 - 1936) إنما فعلت لتشغل نفسها بالكتابة عن وحشة وآلام المرض الذي أصابها، فصار أن حظي عملها بشهرة تفوق الخيال، وبيع منه مليون نسخة في ستة أشهر، ونال العديد من الجوائز، وتُرجم إلى معظم اللغات، واحتفى به العالم أجمع وما زال يذكره، في حين اعتبره الأميركيون أعظم أدبهم في القرن العشرين.

ملعقة ذهبية
ثمة أعمال أخرى كثيرة ليست الغاية ذكرها وتعدادها، وإنما الإشارة إلى أمر بعينه وهو أن الكاتبين السابقين لم يقصدا أن يؤلفا عملين غير مسبوقين إبداعيا، ولا كان دافعهما وشاغلهما -أثناء الكتابة-أن يملآ دنيا الأدب في العالم أجمع ويشغلا كل الناس بما أنتجا، غير أن الأصداء جاءت مخالفة لتوقعات الجميع، وأولهما سرفانتس وميتشل.

من شأن أعمال بعينها في الموسيقى كما في الفن كما في الأدب والفكر أن تُولد "وفي فمها ملعقة من ذهب" كما يُقال, فتبقى حية، مزدهرة، متفاعلة، فاعلة ومؤثرة

ومن الطبيعي الآن أن يتساءل المرء عن سر العملين هذين، وأعمال مثيلة غيرها، لأن نجاحها وشهرتها وحضورها واستمرارها على هذا المستوى العالمي، ولزمن طويل من شأنه أن يحض على التساؤل حقا؟ بالتأكيد لا يكفي التعلل بالموضوع، ولا المضمون، ولا الأسلوب، ولا زمن النشر، ولا مواهب المؤلف وقدرته.

الأسئلة عن الأسباب لن تنتهي، وستبقى في الحقيقة تساؤلات معلقة. كما لن ينتهي بحث الباحثين وتحليل المحللين والنقاد ما دامت الظاهرة تتكرر. إذ برغم الجهود النقدية التحليلية، وبرغم الندوات الضخمة التي تقام، والاجتهادات التي يتفنن أصحابها -شرقا وغربا- لطرحها فإن التساؤلات هذه لم تروَ، بل وستبقى بلا جواب.

وهي ستبقى كذلك لأن من شأن أعمال بعينها -في الموسيقى كما في الفن كما في الأدب والفكر- أن تُولد "وفي فمها ملعقة من ذهب" كما يُقال، فتبقى حية، مزدهرة، متفاعلة، فاعلة، ومؤثرة، ويبقى التساؤل عن أسرارها وألغازها معلقا في فضائها، ليس في إمكان أحد أن يعرفها، ولا حتى في إمكان أصحابها أنفسهم أن يعرفوا، أو أن يقدروا ولو تقديرا.
________________

* كاتب وقاص سوري 

المصدر : الجزيرة