حاورها: إبراهيم الحجري

تعتبر جنى فواز الحسن من الأصوات الروائية الشابة نظرا لما تتوفر عليه من حس إبداعي متميز في مقاربة العوالم المشيدة، وانتقاء الشخصيات وبنائها، فهي تستطيع النفاذ إلى دواخل الكائنات الروائية واستبطان أغوارها النفسية في اللحظات العصيبة، وتعكسها بلغة سلسة عميقة ومشاهد حية تجعل القارئ يتفاعل مع الرواية كأنه واحد من شخصيات عوالمها المتخيلة.

كما أنها عكس كثير من الكاتبات العربيات لا تحصر موضوعاتها في بوتقة البوح الأنثوي، بل تختار القضايا الكبرى للإنسان العربي بحرفية متناهية.

وقد أصدرت روايتها الأولى "رغبات محرمة" عام 2009 ونالت عنها جائزة سيمون حايك في البترون شمال لبنان. ورُشّحتْ روايتاها "أنا، هي والأخريات" (عام 2013) و"طابق 99" (عام 2015) للقائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية.

الجزيرة نت أجرت معها الحوار التالي بمناسبة ترشحها للمرة الثانية إلى القائمة القصيرة للبوكر العربية.

 نعرف أنك مارست الكتابة بصنوفها المتعددة، شعرا وقصة وترجمة ورواية. فأين تجدين نفسك أكثر داخل هذا التعدد؟

أجد نفسي في الرواية طبعا، وهذا ما أردته من البداية. لكن الرواية أمر مجهد وشاق، ولا بد من مساحة شخصية وراحة أجدها في شذرات أو نصوص قصيرة أكتبها، وغالبا ما أحتفظ بها لنفسي.

 وصلت روايتاك "أنا، هي والأخريات" و"طابق 99" إلى القائمة القصيرة لجائزة البوكر. فما الذي جنته جنى الكاتبة من هذا الإشعاع الإعلامي؟

أشعر أحيانا أني أتمزق بين عالمين.. العالم الحقيقي الذي يستنزفنا بمتطلباته وهمومه، وعالم الرواية وما يحتاجه من انفصال عن العالم الخارجي

ما جنيته هو تسليط الضوء على تجربتي ورواياتي والانتشار إلى حد ما. نعم، أرتبك أحيانا، لأن الحياة الواقعية ليست حياة الضوء، هي حياتنا العادية بأفراحها وأتراحها الصغيرة. أحيانا، أشعر أني أتمزق بين عالمين.. العالم الحقيقي الذي يستنزفنا بمتطلباته وهمومه، وعالم الرواية وما يحتاجه من انفصال عن العالم الخارجي. حين تحقق انتشارا ما، تنتقل من كونك شخصا منزويا في حياته العادية وبين ما يراه الغير من صورتك. تربكني الصورة، إلى أي مدى ينبغي أن أنقلها كما هي، أنا، وإلى أي مدى تقيدني المحاذير.

 فيما يتعلق بالجوائز الأدبية، نلاحظ دائما أن الأعمال المتوجة أو تلك التي تصل إلى القوائم النهائية تنحاز لمعالجة قضايا محصورة بات الروائيون يتهافتون عليها بكثرة. ألا تخافي على الرواية العربية في ظل الاهتمام الكبير للجوائز بالرواية من أن تسقط في دائرة التنميط والتكرار؟

أعتقد أن همومنا بشكل أو بآخر هموم جماعية، وتساؤلات نتشاركها كأفراد كل حسب طريقته. لكني لا أرى هذا التكرار والتنميط. على العكس، أرى غنى في حيواتنا كعرب وتجاربنا خاصة في هذه المراحل المفصلية ينتج عوالم مختلفة. الجوائز لا تحدد شكل الأدب، بل هي تقدير له. ربما مع وجود الجوائز، بات هناك حوافز أكثر للكتابة للبعض. لأوضح أكثر، بات الكاتب يشعر بنوع ما من التقدير أو المكافأة، وبالتالي صار راغبا ربما في الإنتاج. طالما أننا نتفادى أن نصبح أسرى الجوائز ويبقى إخلاصنا إلى الأدب، سنتمكن من أن نتخطى احتمالات التنميط والتكرار، وبالتالي التجارب الجديرة بالاهتمام ستحظى بمكانتها.

 كثير من الكاتبات اللواتي حققن شهرة واسعة ارتبط إشعاعهن بموضوع المرأة وكتابة الجسد وكسر الطابوهات الجنسية، خلافا لما نجده عندك، حيث تركزين على القضايا الكبرى والأسئلة المؤرقة مع الفصل بين خصوصية الجنسين. كيف يتأتى لك ذلك؟

أنا لا أرى مشكلة في الكتابة عن الجنس فهو جزء من الحياة، وبالتالي لا أتجنبه لكني لا أتقصده أيضا. أتعامل معه كأمر طبيعي قد يكون موجودا أو غائبا بحسب القصة

الرواية تعكس تجربة حياة. تجربتي أستقيها من الواقع، والواقع ليس مجرد مساحة للبوح، هو رصد لحالات إنسانية مختلفة. لقد تعلمت أن أكون وفية للأدب، وبالتالي أدركت أنه يجب علي أن أخرج من دائرة الذات فحسب. أنا لا أرى مشكلة في الكتابة عن الجنس فهو جزء من الحياة، وبالتالي لا أتجنبه لكني لا أتقصده أيضا. أتعامل معه كأمر طبيعي قد يكون موجودا أو غائبا بحسب القصة. كما أني ضد التصنيفات إجمالا التي تحشرنا في زوايا وقوالب. نحن نكتب لنخرج من القوالب ونستكشف، لذا لا أضع إطارا واحدا وأكتفي به. أبحث عما يؤرقني في الصورة ككل وليس كجزء فقط.

 لا يشكل السرد في بعده التجريبي وبقوالبه الواعية كبير عناية لديك، إلا بما يجعله يصب في إضاءة بواطن الشخوص وعوالمها الغامضة. فهل التفكير في أدوات الكتابة وممكناتها التجريبية، أو ما يسمى الميتاروائي، قد يؤثر سلبا على عوالم النص الروائي؟

أنا أنطلق من الإنسان، هو مادتي الروائية الخصبة. أحاول أن أمنحه قدرة على قول ما لا يقال دائما. ولكل كاتب أسلوبه أو طريقته في السرد. التفكير في أدوات الكتابة أمر ضروري شرط ألا يجردها من عفوية ما وتصبح حقل تجريب لتقديم -فقط- نمط غريب ومختلف. لنقل أني أفضل التلقائية غير البريئة ولكن ليس الافتعال.

 بالعودة إلى رواية "طابق 99" نجد أن الحرب الأهلية ومجازر صبرا وشاتيلا تجسد المحور الرئيس فيها. كيف جعلتِ من موضوع قديم تكرر تناوله كثيرا من قبل الروائيين موضوعا حيويا يستمر بتشعباته وتأثيره في الشخصيات؟

كل الحروب متشابهة بعبثيتها وصراعاتها وهدمها للنفس البشرية. الإنسان هو الخاسر الأول في الحرب وهو ألعوبتها. طالما أن الحروب تتكرر بصيغ مختلفة

يمكنك أن تخبر الحكاية نفسها مرات عدة بطريقة مختلفة. لقد حاولت أن أرى الماضي في انعكاسه على الحاضر. كل الحروب متشابهة بعبثيتها وصراعاتها وهدمها للنفس البشرية. الإنسان هو الخاسر الأول في الحرب وهو ألعوبتها. طالما أن الحروب تتكرر بصيغ مختلفة، فهذا يعني أنها لم تنته ولا الماضي انتهى ولا تزال العودة إليه ضرورية.

 تعاني شخوص رواياتك من اهتزاز في الهوية وارتجاج في الذاكرة، ونكوص في التطلعات والأحلام. فما دلالة هذا الاختيار؟

هي شخصيات تحاول المضي إلى الأمام، لكن هناك عثرة ما، عثرة ما حدث من قبل وتأثيره وامتداده في الحياة المستمرة. لها تطلعات وأحلام، لكنها لا تعرف إن كانت قادرة على الانفصال عما كان للمضي قدما. وفي كثير من الأحيان، هذا يحدث. أحيانا كثيرة، يكون لدى الإنسان الرغبة في الحياة لكن الظروف تعرقله أو وجود أمور عالقة تحد من الرغبة. هذا ما جسدته من خلالهم، وهذه معضلة تسكن العديد من الناس وإن لم يكن لديهم الوعي الكافي لإدراك هذا الأمر دائما.

 تشتغل الكتابة السردية لديك على مكونات (اللغة، الذاكرة، السيكولوجيات الباطنية) مع أنك لم تعايشي فعليا المراحل التي استعرتها لشخوصك وعوالمك الروائية. فما طقوس الكتابة لديك وما سمات المطبخ الداخلي لجمع شتات العالم الروائي وتأسيسه؟

لم أعشها، لكني سمعت رواية الحرب وشهدت ذيولها. في "طابق 99" تحديدا، عدت كثيرا إلى الحرب أقرأ عنها وعن تاريخها وأشاهد الوثائقيات ودخلت المخيمات الفلسطينية مرات عدة لأرى هذا العالم الذي أكتب عنه.

 سوقت الجوائز الأدبية لأسماء روائية جديدة تفوقت على جيل الكتاب المكرسين، واستطاعت أن تجد لها مكانا وأثرا في المشهد الثقافي العربي. فهل يتعلق الأمر بحساسيات جديدة أم وعي جديد للصنعة الروائية أم بعجز الجيل القديم للروائيين عن التفاعل مع قضايا الأجيال اللاحقة؟

لا أرى تفوقا في الأمر، هناك حيز لروائيين جدد ولكن هذا لا يلغي كتابات الجيل الأسبق والذي يستمر بحضوره. لا يعقل منطقيا أن يبقى المشهد الروائي جامدا من دون أسماء جديدة. سيفنى الأدب إن كان الحال كذلك.

 كيف تنظرين إلى مستقبل الرواية العربية في ظل هيمنة الوسائط التفاعلية الجديدة والإقبال المتزايد للشباب عليها؟

ستظهر روايات سيئة وروايات جيدة وروايات أفضل وما إلى ذلك. ما سيبقى من كل هذا التفاعل هو ما سيرسم المشهد الأدبي، تحديدا الروائي، الجديد. 

المصدر : الجزيرة