حاورته: فاتنة الغرة

في سريالية كسريالية دالي وواقعية سحرية كالتي لماركيز، يعيش المبدعون في غزة حيث لا سقف لآمالهم المفتوحة على كل الاحتمالات، لكنهم يحاولون التحليق عاليا بمنجزهم الأدبي الذي يتخطى الحدود والحواجز كلها.

وهذه كانت حالة الروائي عاطف أبو سيف صاحب رواية "حياة معلقة" المرشحة ضمن القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية، الذي حاورته الجزيرة نت.

 أن تعيش في غزة يعني أن تكون مسجونا داخل قفص، فهل أفلتّ منه لكي تستطيع الكتابة؟

أذكر أني قلت لصديقي ذات يوم إن غزة سجن كبير، ضحك وقال "مش كبير لهالدرجة". بعد سنين قلت له لا يفرق إن كان السجن كبيرا أم صغيرا، في غزة أنت تعيش في نشرة الأخبار، تحس نفسك جزءا محتملا مما سيقرأ أو ستقرأ المذيعة بعد قليل، لكن المؤكد أنك لن تسمع خبرك، الناس في غزة يموتون بالصدفة ويعيشون بالصدفة، وكلما انتهت حرب شعرت أنني الرابح الوحيد فيها لأنني نجوت، لكن كم صدفة في جعبتنا ستجعلنا ننجو من الحروب القادمة.

القفص الذي تشيرين له محكم الإغلاق لكنه أيضا مع الوقت يتحول إلى قفص داخلي يخنق ممكنات الانطلاق وفرس التحليق، قلت في روايتي "حصرم الجنة" إن كل أصدقائي يحلمون باللحظة التي ستخفق فيها أجنحتهم فوق بحر غزة، يعبرون إلى العالم المشتهى المرغوب، فالبحر -الذي هو رئة غزة الوحيدة- ليس سوى لوحة جميلة معلقة على جدار الزنزانة المسماة غزة، فأنت تجلس على البحر تستمتع بمنظره كما تستمتع بلوحة جميلة، تعرف أنك لا تستطيع أن تعبرها إلى الفضاء الخارجي.

 تمّ ترشيح روايتك الأخيرة "حياة معلقة" ضمن القائمة القصيرة لجائزة البوكر. ماذا يعني لك هذا الترشيح؟

حين كتبت الرواية لم أكن أفكر بجائزة ما. كنت أفكر بنعيم، ذلك الرجل صاحب المطبعة في المخيم الذي اعتاد على طبع صور الشهداء والأبطال من أجل تخليدهم، كيف يموت صدفة برصاصة قناص إسرائيلي وهو يفتح مطبعته في الصباح. نعيم سيتحول إلى "بوستر" هو الآخر. الحروب تحولنا إلى أرقام. أنا لم أرد لي ولا لنعيم أن نتحول إلى أرقام. أردت أن أسجل حياته الجميلة المشبعة بالألم والتي لا تخلو من بحث عن الحب والسعادة.

البحر -الذي هو رئة غزة الوحيدة- ليس سوى لوحة جميلة معلقة على جدار الزنزانة المسماة غزة، فأنت تجلس على البحر تستمتع بمنظره كما تستمتع بلوحة جميلة، تعرف أنك لا تستطيع أن تعبرها إلى الفضاء الخارجي

بالطبع نعيم سعيد الحظ لأن الرواية ترشحت للبوكر، مثل سعادتي أن قصته باتت في متناول قراء أوسع من الجغرافيا التي صاغت حياته. الترشح معهم يعطيني دفعة بأن ما أكتبه يلقى اهتماما، وبالتالي يجد من يتابعه. وتبدو هذه السعادة مهمة في ظل أننا في غزة محاصرون نكتب ونطبع في غزة ولا تصل أعمالنا للخارج، وهو بذلك دعوة للفت الأنظار إلى هذا الأدب الجميل والمختلف الذي يكتب في هذه البقعة المتبقية من ساحل فلسطين الجميل الذي مشته جدتي عائشة خلال هجرتها المريرة من يافا الجميلة إلى مخيم اللجوء الذي سأولد فيه بعد ربع قرن.

 كيف تصف لنا خريطة الحياة الثقافية في مدينة كغزة؟

غزة مدينة حيوية ونشطة، وبها حركة أدبية لا تلقى الكثير من الاهتمام من النقاد خصوصا في الشعر. وفيها أنشطة واسعة وشبان وشابات يدفعون من مصروفهم اليومي من أجل إقامة فعاليات أدبية، وبعضم طلبة جامعة يصرفون قوت يومهم من أجل أن يلقوا أشعارهم ويسردوا قصصهم في تجمعات وندوات.

غزة لا تنتج المعجنات الساخنة من الأخبار الدسمة والعاجلة وصور القتل والدمار والموت، بل إنها أيضا مدينة فيها العاشق والمجتهد، كما فيها السمسار وتاجر الأنفاق والحاقد والكاره ومحب الخير وصبي المقهى وإلى ذلك.

نجد في غزة البطل والمناضل الشرس الذي ما زال يؤمن بأن فلسطين ممكنة. وفيها أيضا فتاة تحلم بأن تصبح ملكة جمال الكون، وفتى يحلم باللعب في برشلونة وآخر يظن أنه أوسم من براد بت وغير ذلك.

وفيها أيضا أدب رفيع يكتب مثلما تكتب الآداب الجميلة. هذه غزة التي حاولت رواية "حياة معلقة" أن تنزلها من الصورة النمطية إلى ملموس الحياة وممكنها.

 ما بين الوطن والمخيم، غزة ويافا، تتنقل بنا في "حياة معلقة"، وهذا يقودنا إلى سؤال الوطن في وعيك وماذا يعني لك؟

الوطن كلمة كبيرة رغم ضيقه بنا كما يقول درويش. الوطن في الوعي الفلسطيني شيء مفاهيمي نوستالجي مرغوب ومشتهى. وهو حين قياسه بقسوة الواقع يبدو متعذرا. ربما في الرواية -كما في الفن- تكون استعادته ممكنة، وبالتالي إذن تصير الرواية مبشرة بفرص تحقيقه. شخصياتي في المخيم لها ذكريات عميقة ودافئة في يافا مكان ولادتها ومرتع طفولتها وحضن صباها، وبالتالي فهي لا تعيش الواقع بل تقارنه باللحظات الجميلة التي عاشتها في المدينة العربية الأجمل على شاطئ المتوسط.

في حصة الجغرافيا حين كان المعلم يقوم بتصنيف التجمعات البشرية إلى ثلاثة صنوف: المدينة والقرية والبادية. كنت أسأل: والمخيم؟ والغصة في حلقه كانت تصيبني بنكسة أشعر بها قبل أن أسمع إجابته، فالمخيم حالة من اللاستقرار والتشظي

المخيم حكاية نقيض لكل ذلك. أذكر في حصة الجغرافيا حين كان المعلم يقوم بتصنيف التجمعات البشرية إلى ثلاثة صنوف: المدينة والقرية والبادية. كنت أسأل: والمخيم؟ والغصة في حلقه كانت تصيبني بنكسة أشعر بها قبل أن أسمع إجابته، فالمخيم حالة من اللاستقرار والتشظي.. هو ليس مكانا مستقرا ولم يوجد ليكون منتهى ساكنيه، عائشة جدتي ماتت وهي تظن أنها ستغادر إلى يافا في الصباح، وظل هذا الصباح هو المشتهى والمنتظر حتى لشخوص روايتي، ومن هنا فالوطن هو حالة من الانتظار المجبول بالحنين والحلم، وبالقسوة أيضا.

 الموت ثيمة واضحة في كتاباتك، وهي الرديف لمن يعيش تحت الحرب وفي ظلها، فماذا يعني الموت لك؟

كما قلت لك، أنت في غزة تعيشين بالصدفة، ليس لبطولة مزعومة، ولكن لأن الموت أغمض عينيه عنك أو أخطأك. لكنه قد يفعل في أي لحظة في المستقبل. أذهلني دائما رحيل الأهل والأصدقاء، رحيل مفاجئ حتى باتت كلمة فجأة لا تعبر عن حقيقة الواقع.

سؤال الموت سؤال كان يلازمني منذ الصغر حين نجوت من الموت أكثر من مرة وأنا فتى صغير أقذف الجنود الإسرائيليين بالحجارة، وأصبت في كبدي وتم حفر قبر لي لأنهم ظنوا أنني ميت، ونجوت وزغردت أمي والدمع يغرق عينيها وأنا أخرج من غرفة العمليات، بيد أن هذا الشعور لازمني ومن حولي بأننا قد نموت فجأة أيضا، فأحاول أن أجعل من موت من يرحلون حياة لنا نقرأها ونعيد تركيب المتعة الجميلة التي عاشوا فيها حياتهم رغم جراحها، جراح يشفون منها حين نعيد قراءة حياتهم.

 مفردات البيئة الفلسطينية حاضرة في أدبك، فكيف تحافظ مفرداتك على نفسها في ظل الحرب والموت المفاجئ كما أسميته؟

لا أريد أن أكتب عن مجتمع آخر، أريد أن أكتب عن مجتمعي وثقافته وبيئته، ليس لأنني أنتصر له -وهذه حقيقة- ولكن لأني أجده خصبا ومتنوعا، كما أنني أريد أن أكتب عن ألم الناس الذين عشت معهم

الأدب وليد عالمه. والأدب الرفيع هو الذي يحاول أن يكون لسان حال مجتمعه وواقعه، وأنا أعرف الحياة الفلسطينية جيدا، وأعرف بيئتي وأنتمي لها، لذا فإن شخوص أعمالي تأتي من هنا ولا تطمح إلا أن تكون نفسها، وليست شيئا آخر، فالحياة هنا غنية ومتنوعة وتوفر تربة خصبة للكثير من الحكايات الرائعة، المهم أن يعرف الكاتب كيف يلتقط حكاية جذابة تصلح لأن يقرأها الناس، ويعرف كيف يقدمها ويعالجها، وهنا يأتي الفن.

أنا لا أريد أن أكتب عن مجتمع آخر، أريد أن أكتب عن مجتمعي وثقافته وبيئته. ليس لأنني أنتصر له -وهذه حقيقة- ولكن لأني أجده خصبا ومتنوعا، كما أنني أريد أن أكتب عن ألم الناس الذين عشت معهم، وعن أحلامهم وآمالهم، وأروي عن حياتهم بكل ما فيها من ألم ومرارة ورغم ذلك توق للأفضل.

غزة مدينة لم تحظ بكثير من الاهتمام. تجدين غزة بشوارعها ومبانيها داخل الرواية بأناسها المختلفين، تجدينها حاضرة لا مدينة حروب وموت بل مدينة حياة أيضا.

المصدر : الجزيرة