وديع عواودة-حيفا

"1945" هو عنوان مسرحية جديدة تستعيد بعضا من ذاكرة فلسطين قبل نكبتها عام 1948، وتأخذ المشاهدين لأريافها الوادعة، وتتيح الإصغاء لإيقاع حياتها اليومية، كما تلقي الضوء على دور الاستعمار البريطاني في ضياعها وقيام إسرائيل على حسابها.

والعرض من إنتاج مسرح "الميدان" في حيفا داخل أراضي 1948، وقد ركز على معالجة الحياة الريفية قبل النكبة من خلال قرية فلسطينية يقوم أهلها بجمع غمار القمح ونقلها إلى البيادر، ويستعدون بكثير من الفرح والترقب لموسم الأعراس والأفراح.

وتتألق المسرحية بأداء ورشاقة حركة وتعبير الفتاة نورة التي تنتظر زفافها بعد موسم الحصاد، وبأداء زميلتها أزهار التي طال انتظارها لحفل زفافها ريثما ينتهي خطيبها من الترتيبات واللوازم المطلوبة.

بيد أن حياة أهل البلدة تبدأ بالتعكر، مما يؤدي نهاية المطاف إلى إفساد فرحتهم وحلمهم، في إشارة استعارية لقتل الحلم الفلسطيني قبل 1948 بعدة سنوات، وهذا يفسر اختيار تسمية المسرحية.

ولذا، فإن كاتب النص عدنان طرابشة يشير -في نبذة عن المسرحية- إلى أن الحركة الصهيونية استخدمت اصطلاحات استخدمها المتبقون في وطنهم بوعي أو غفلة منهم، بتكريسها، كـ"عرب 48" التي تجعل من عام النكبة مفصلا وكأنه بداية ونهاية التاريخ الفلسطيني الحديث، وتلغي ما سبقها من عوالم.

بوستر مسرحية 1945 (الجزيرة)

مرآة الواقع
تعالج المسرحية مرحلة الانتظار الفلسطينية التي بدأ فيها وعد بلفور بالتحقق بشكل أخطر، مع تدفق عشرات آلاف المهاجرين اليهود برعاية الصهيونية خلال وبعد الحرب العالمية الثانية.

وتعكس مشاهد الحياة الحقيقية في وطن لم تشطره حدود التقسيم بعد، وكذا ارتباطه بجواره العربي، فتبدو بيروت مثلا حلم العرائس اللواتي يأملن باقتناء متاعهن منها.

كما تعكس المسرحية الواقع الفلسطيني بكل تناقضاته، إذ تتجلى الثورة ضد الاستعمار البريطاني والمشروع الصهيوني الاستيطاني، لكنها تظهر أيضا الحب والخيانة والخوف والشجاعة والعمالة وحماية الوطن.

ولا تقوم المسرحية على حبكة قصصية مركزية واحدة، لكنها غنية بالكثير من الصور وعناصر التراث الفلسطيني عبر شخصية ناطور القرية ووداعة أهلها ومشاهد البيادر والقمح وعين الماء.

المسرحية ترجع بالذاكرة عقودا إلى الوراء لاستكشاف طبيعة الحياة والناس (الجزيرة)

مؤثرات متنوعة
كما تشير المسرحية إلى تضحيات الشباب المسلحين بالبنادق البسيطة والعزائم القوية على التصدي للظلم البريطاني والسلب الصهيوني للأرض ومواردها.

وتعاود "1945" إحياء التراث الفلسطيني بلغة مسرحية بالاستعانة بمؤثرات متنوعة كالموسيقى والفيديو آرت والحركة والرقص، وبأدوات حديثة تخلق محاكاة رمزية واستعارية مع النص لتصب في الشكل والمحتوى العام للمسرحية.

ويوضح طرابشة أن المسرحية تحاول جعل التراث مادة حيوية تخرجه من تصلبه وتحجره، تلك الضرورة التي يتطلبها حاضر الشعوب.

لكن المسرحية التي تنطوي على فصول حزينة بطبيعة الحال، كاستشهاد بعض رجالها وطرد الاستعمار لبعضهم الآخر، تنجو من السوداوية، بل هي مشحونة بمفارقات ونكات لماحة تبعث الابتسامة.

ويعود ذلك بالأساس للممثل هنري أندراوس الذي يلعب دور عطية "مجنون البلد" الذي يُضحك الجمهور بحركات وتوليفات لفظية رشيقة وظريفة، ويفاجئ مرة تلو المرة بقدرته على الإدلاء بأقوال وحكم يعجز عنها العقلاء أحيانا.

المسرحية جمعت بين الأحداث الحزينة والمواقف المضحكة (الجزيرة)

الجيل الثالث
ويعتقد المخرج بشار مرقص أن "الجيل الثالث للنكبة ورث ذاكرة مجمّلة، وعليه بإثارة الأسئلة حولها كي يتعامل مع الذاكرة كموروث لا يخلو من الوهم، وهم الوجود والوطن والحلم، ولذا فإنه لا يطمح إلى التلاعب به فيضعه على الخشبة على صورته وفحواه".

ويقول مرقص إن ذلك ينعكس في المسرحية وتعاطيه مع ذاكرته أحيانا بمنظور مختلف، فهو يحمل بعدا تأويليا وراء حكاية الأجداد.

وتبدي رائدة خميس من حيفا -إحدى الحاضرات بالعرض- إعجابها بالمسرحية، وتشيد بلمساتها الفنية ومؤثراتها المتنوعة وقدرتها على ترفيه المشاهدين واستدرار ضحكاتهم بمقاطع خفيفة الظل.

كما أعجبت المشاهدة بعودة المسرحية لما قبل نكبة 48، وبطرحها واقع حياتها بدون "روتوش" بحلوها ومرها، لكنها تعتقد أنه كان بإمكان القيمين عليها جعلها أكثرا ثراء وتركيبا من ناحية النص والمضامين. 

المصدر : الجزيرة