الخير شوار-الجزائر

ذهب بعض الشعراء الجزائريين بعيدا في تجريب أشكال شعرية مختلفة، فاستلهموا فن "الهايكو" الياباني، وتعددت المغامرات في هذا السياق إلى درجة تحوّل فيها الأمر إلى ما يشبه الظاهرة.

و"الهايكو" فن من فنون الشعر الياباني يحاول فيه الشاعر التعبير عن أشياء عميقة ومشاعر عميقة من خلال بيت شعري واحد مكون من 17 مقطعا صوتيا، (بحسب الألسنية اليابانية) تكتب في ثلاثة أسطر عادة.

وفي الوقت الذي حاول فيه البعض التمسّك بالشعرية القديمة واتجه فيه البعض غربا بحثا عن "الحداثة"، نبعت هذه التجربة التي بحثت في الشرق البعيد عن روح جديدة تُخرج القصيدة من نمطيتها، فجاء الكثير من المغامرات التي أخذت الشكل الياباني في محاولة لتأصيله في الثقافة المحلية.

وصدرت في الجزائر كثير من القصائد على هذا النمط، وتحوّل بعضها إلى مجاميع شعرية على غرار "أعراس الماء" و"ما بين غيابين يحدث أن نلتقي" لعاشور فني، و"كرز الحقد" لفارس كبيش، أو بعض كتابات الشاعرة حبيبة محمدي والشاعر فيصل الأحمر.

ومع تعدد التجارب في هذا السياق، بدأ البعض يتساءل حول ما إذا كان الأمر يتعلق ببحث عن نَفَس جديد للقصيدة الشعرية في الجزائر أم هو "اغتراب" ولو اتخذ وجهة الشرق الياباني.

الأحمر: اكتشفت الهايكو على يدي بول إيليوار (الجزيرة)

بين تجربتين
تعتبر تجربة الشاعر عاشور فني رائدة في هذا المجال وهو الذي أصدر مجموعات كاملة في هذا الفن، منها "أعراس الماء" باللغتين الفرنسية والعربية سنة 2003، و"هنالك بين غيابين يحدث أن نلتقي" سنة 2007. وقد بدأ مغامرته تلك من سؤال "كيف تقول في نفس واحد ما تقوله ملحمة قديمة؟".

وفي هذا الصدد يقول فنّي للجزيرة نت "كان ذلك هاجسي في كتابة القصيدة بعيدا عن الإطناب والوصف الخارجي، معتقدا أن هناك رسما سابقا للكتابة يتعين إزاحة الغبار عنه بالكلمات على عكس ما هو شائع من أن الكتابة رسم بالكلمات. لقد ساعدتني أسفاري عبر اللغات وعبر العالم وقراءاتي المستمرة للتقاليد الشعرية في الثقافات المختلفة بالاطلاع على تجربة القصيدة/النَّفَس. ذلك هو روح الشعر".

ويؤكد فني في هذا الصدد أنه "في كتابة الهايكو تختفي تقاليد البلاغة التقليدية من استعارة وكناية وتشبيه، لأن الرهان هو الجمال الحي المباشر لا صورته".

أما الشاعر فيصل الأحمر، فقد انطلق من هاجس آخر يقول بشأنه للجزيرة نت "لقد جئت إلى الهايكو من غوصي المَرَضي في قيم الحداثة، ومن نزعتي التراثية القوية".

ويؤكد الأحمر أن الحداثة الشعرية "جعلت أشد الشعراء كسرا للقواعد المتوارثة ينظرون في هذا الشكل الغريب الآتي من أعماق تاريخ اليابان عن مصدر جديد للإلهام، سوى التراث الشعري الأوروبي بقرونه اليونانية والرومانية المتوارثة المتراكمة دون جديد".

ويعترف الأحمر أنه اكتشف الهايكو على يدي بول إيليوار الذي "أولعتُ به ولعا شديدا عند بزوغ حواسي الشعرية في سن العشرين".

بن علي: الهايكو الجزائري محاولة انعتاق من الشعريات الغربية (الجزيرة)

فن العصر السريع
وفي قصيدة بعنوان "أجراس الماء"، يكتب عاشور فني: "الآن أرتمي في الزرقة/ لا أدري أي النجوم/ ستغطي أثري.. تستريح على رمل الشاطئ/ ويستلقي البحر/ في موج أفكارك".

وفي معرض مقاربته لتجربة الهايكو في الجزائر، يرى أستاذ النقد الأدبي في جامعة بجاية، لونيس بن علي، أن الأمر يمكن تفسيره باعتباره "محاولة انعتاق من الشعريات الغربية التي ظلت وما زالت تمثل أصل شعرنا العربي الحديث، إلى حد يبدو أن الشعر العربي حديثه وحداثيه ما هو إلا تلوين على التجربة الشعرية الغربية".

ويضيف بن علي في تصريح للجزيرة نت، أن "الحياة المعاصرة فرضت على الذائقة الأدبية نوعا من انقطاع النفس لدى الشعراء والقراء على حد سواء، بما يعني أن الشاعر مثل القارئ ومثل أي إنسان آخر لا يستطيع من فرط السرعة المفرطة للحياة أن يقف ممددا في مكان واحد يشد أنفاسه طويلا"، وأن "العصر هو عصر الإنسان السريع، وبذلك فالفن لا بد أن يتأثر بتلك السرعة، والهايكو ربما يوفر لنا أمرين اثنين هما الإيجاز اللغوي والكثافة الدلالية في الآن ذاته".

المصدر : الجزيرة