ياسين بودهان-الجزائر

أثارت مقاطعة فنانين أمازيغ لتظاهرة "قسنطينة عاصمة للثقافة العربية" -التي ستنطلق فعالياتها منتصف شهر أبريل/نيسان- جدلا واسعا بشأن هوية المدينة وتاريخها، بين مدافع عن أمازيغية المدينة ومدافع عن عروبتها.

يأتي ذلك بعد أن اعتذر كل من الفنانيْن الأمازيغيين المشهوريْن لونيس آيت منقلات وإيدير عن المشاركة في الفعاليات الفنية التي ستشهدها تظاهرة "قسنطينة عاصمة الثقافة العربية 2015" احتجاجا منهما على تسمية المدينة بعاصمة للثقافة العربية، واعتبرا ذلك محاولة لطمس هوية وتاريخ المدينة الأمازيغي.

وستنطلق التظاهرة الثقافية بمناسبة ذكرى يوم العلم يوم 16 أبريل/نيسان، وهو اليوم الذي تحتفل فيه الجزائر كل عام تخليدا لروح وذكرى وفاة رائد نهضتها الإصلاحية العلامة الشيخ عبد الحميد بن باديس.

بعض المثقفين يرون في التركيز على عروبة قسنطينة طمسا لأمازيغيتها (الجزيرة)

عاصمة نوميديا
وتاريخيا، تعتبر قسنطينة -التي تبعد عن العاصمة الجزائر بنحو 500 كلم- عاصمة للدولة النوميدية الشرقية بداية من القرن الرابع قبل الميلاد، واشتهرت بعدة أسماء هي: قسنطينة وكرثن وسيرتا، واحتضن أهلها الإسلام واللغة العربية بداية من منتصف القرن الأول الهجري في عهد أبي المهاجر دينار ما بين عامي 55 هـ/674م و62هـ/681م.

وحسب ما جاء في موقع المتحف العمومي لقسنطينة، الذي يحمل اسم "سيرتا"، فإن المدينة كانت لديها علاقات تاريخية مع الفينيقيين ثم الإغريق والرومان، وأصبحت عاصمة المملكة النوميدية الموحدة سياسيا وثقافيا، كما كانت عاصمة كونفدرالية المستعمرات الأربع -سيرتا (قسنطينة)، وميلاف (ميلة)، وسيلو (القل)، وروسيكادا (سكيكدة)- في عهد الرومان.

ويعتبر نور الدين بسعدي أستاذ اللغة الفرنسية بجامعة مولود معمري بمدينة تيزي وزو أن قرار بعض المطربين الأمازيغ مقاطعة التظاهرة نابع من "إرادتهم في أخذ موقف صارم ضد سياسات الطمس والتضليل الثقافية التي تمارسها وزارة الثقافة الجزائرية والنظام الحاكم بمجمله منذ عقود من الزمن".

ويتساءل في حديثه للجزيرة نت "هل يعقل أن نظن أن اختيار هذه المدينة لاحتضان هذا الحدث خيار عفوي لا صلة له بالتاريخ"، علما أن المدينة "كانت تدعى سيرتا وكانت عاصمة نوميديا قرنين قبل الميلاد تحت حكم ماسينيسا" الذي وصفه بسعدي بـ"الملك الأمازيغي" وصاحب مقولة "أفريقيا للأفارقة".

نور الدين بسعدي: هناك محاولات لطمس الهوية الأمازيغية في الجزائر (الجزيرة)

الهوية الأمازيغية
ويعتقد بسعدي أن اختيار هذه المدينة -التي قال عنها إنها ذات دلالة رمزية كبيرة لدى شعوب شمال أفريقيا- عاصمة للثقافة العربية يعتبر بمثابة "محاولة أخرى لطمس الهوية الأمازيغية للجزائر" عبر ما قال إنها "سياسة التعريب الشاملة" والمتمثلة في "تعريب الهوية وتعريب التاريخ وتعريب أسماء الأماكن وتعريب الرموز، وصولا إلى تعريب الإنسان".

واستحضر في السياق ذاته مقولة مشهورة لصاحب رائعة "نجمة" كاتب ياسين الذي تساءل "إذا كنا عربا فلماذا تريدون تعريبنا؟ وإن لم نكن عربا فلماذا تريدون تعريبنا؟".

وإذا كان قرار المقاطعة مرحبا به لدى البعض لاعتبارات تاريخية وأيديولوجية، فإنه غير مقبول وغير مبرر لدى آخرين ممن رأوا في هذه الخطوة استحضارا لجدل يكرس العلاقة التصادمية بين البعدين العربي والأمازيغي.

وحسب الشاعر والروائي عز الدين ميهوبي، فإنه لا يمكن لأي أحد أن ينكر تاريخ المنطقة وأنها كانت عاصمة للدولة النوميدية، وأن جذورها أمازيغية، لكنه يعتقد أن "استحضار التاريخ في مثل هذه المناسبات أمر لا يقدّم أية إضافة نوعية للمشهد الثقافي بالبلاد".

وذكّر ميهوبي باستضافة مدن عربية أخرى التظاهرة نفسها رغم أن جذورها التاريخية ليست عربية، وضرب مثلا بالعاصمة المصرية القاهرة التي كانت مدينة فرعونية لكنها كانت أول مدينة عربية تنال شرف نيل لقب عاصمة الثقافة العربية عام 1996.

واعتبر ميهوبي المناسبة فرصة كبيرة لإبراز البعدين العربي والأمازيغي لمدينة قسنطينة، لأن المكونين معا -حسب حديثه- يشكّلان هوية المدينة.

وكانت وزيرة الثقافة نادية لعبيدي قد بينت موقفها من هذا الجدل من خلال تأكيدها أن التظاهرة ستسعى إلى إبراز البعدين الأمازيغي والعربي للمدينة.

محند أرزقي فراد: جدل عروبة قسنطينة وأمازيغيتها أيديولوجي للأسف (الجزيرة)

جدل أيديولوجي
من جانبه، أكد المؤرخ محند أرزقي فرّاد أن النقاش الدائر بين المثقفين بشأن أمازيغية أو عروبة قسنطينة يقدم رؤية تفتيتية وليست شاملة للموضوع.

وعبّر فرّاد في حديثه للجزيرة نت عن أسفه الشديد لبروز هذا الجدل الذي يكرس العلاقة التصادمية بين البعدين العربي والأمازيغي في الراهن الثقافي ببلاده، وهو ما يعيد النقاش حول هذا الموضوع لنقطة الصفر، والسبب في ذلك برأيه ترجيح المقاربة الأيديولوجية على المقاربة المعرفية.

وحسب فرّاد، فإن الحديث عن الأمازيغية بعد التعديل الدستوري الذي حدث في 2002 -الذي رسمها لغة وطنية ثانية إلى جانب العربية- كان ينبغي أن يكون في سياق سبل تطويرها وترقيتها، وليس في سياق أيديولوجي يغذي التنافر والتصادم بين أفراد المجتمع الواحد.

وتأسّف فرّاد لقرار المقاطعة لأن اختيار المدينة عاصمة للثقافة العربية كان يمكن أن يكون برأيه فرصة كبيرة لإبراز الثقافة الأمازيغية وتسويقها على مستوى العالم العربي.

المصدر : الجزيرة