فاتنة الغرة-أنتورب 

احتضن مسرح "مونتي" البلجيكي العرض الافتتاحي لمسرحية "عطيل" للمخرج العراقي المقيم في بلجيكا مخلد راسم، وتتمحور المسرحية حول مفاهيم الحب والغيرة والسلطة والعنصرية، وقد قدمت للجمهور بطريقة معاصرة.

وحاول راسم خلق رؤية جديدة لمسرحية شكسبير الشهيرة، فلم يجعل عطيل رجلا أسود كما هو الحال في النص الأصلي، بل كانت ديدمونة في هذا العرض هي السوداء، والتي شخصتها ممثلة أفريقية، في حين أن ممثلا بلجيكيا أبيض البشرة هو من لعب دور عطيل، كما كان الأمر ذاته مع الشخصية الثالثة في المسرحية وهو ياغو.

سؤال الهوية
طرحت المسرحية -التي احتضنتها مدينة أنتورب- عدة تساؤلات كان منها سؤال الهوية وهل نستطيع العيش مع مجتمع آخر؟ وهل يمكن أن تكون هناك علاقة حب مع شخص من مجتمع يختلف عن تقاليدك وتاريخك؟ كما ناقش راسم كيفية نظرتنا إلى الآخر الغريب والمختلف، طارحا سؤالا كبيرا يعيشه المهاجرون في بلجيكا كما يعيشه المواطنون على حد سواء عن معنى العنصرية.

مشهد من مسرحية عطيل تظهر فيه الممثلة جوليا جيلس في دور ديدمونة (الجزيرة)

وتعتبر هذه المسرحية ضمن مآسي شكسبير الكبرى التي حظيت باهتمام كبير عند القراء لأنها تمثل نموذجا حقيقيا ومعاصرا للحياة الإنسانية، فالحب والغيرة والعاطفة من سمات المجتمع التي صورها شكسبير في مسرحيته.

ومثل ما هو في النص الأصلي، يكمن الصراع الرئيسي في هذه المأساة بين حامل الراية ياغو المنافق الناشر الشكوك والحقد، وبين عطيل وديدمونة اللذين لا يعرفان شيئا عن الشر ووقعا ضحية طيبتهما.

قلب الأدوار
وأدى الممثلون الثلاثة أدوارهم بتناغم واضح، فبدا عطيل الذي جسد دوره الممثل البلجيكي روي أرنوتس الذي تفاجأ الحضور به، حيث كانوا ينتظرون ممثلا أسود البشرة كما هو الحال في العمل الأصلي، والذي كان يتغنى بمحبوبته ديدمونة على مسمع ياغو الذي جسد دوره الممثل البلجيكي فيليب يوردنس مستخدما مهارات تمثيلية وأداء احترافيا شهد به الحضور.

أما ديدمونة التي تمثل الطهارة والطيبة وجسدت شخصيتها ببراعة الممثلة جوليا جيلس، فهي شخصية بسيطة عاشقة رومانسية، وهي في نفس الوقت مسلوبة القوة ولا واقي لها لمجابهة الظلم إلا التحمل الكبير والتسامح المطلق وهما من شيم الحب، وهذا هو سر حبها المطلق.

مخلد راسم: أخرجتُ المسرحية لمحاولة الإجابة عن أسئلة التعايش (الجزيرة)

غير أن ديدمونة الأفريقية هنا أخذت طابعا عصريا لامرأة قوية الشكيمة رغم ضعفها، وسؤال الهوية لديها كان يشكل الهاجس الأكبر الذي تجلى من خلال المونولوغ الشعري الذي تحدثت فيه عن اختلاف الهوية واللون والعرق بشكل ساحر اختتم به راسم العرض المسرحي.

وقد اكتظ مسرح مونتي بالحضور الذين توافدوا لحضور العمل نظرا للسمعة الجيدة التي يتمتع بها مخلد راسم بوصفه مخرجا مسرحيا في بلجيكا، وهي شهرة حققها على مدار عشر سنوات منذ قدومه إلى بلجيكا في عام 2005.

اندماج أم انصهار؟
وفي حديثه للجزيرة نت، يوضح راسم أن الوضع الذي يمر به العالم العربي سبب رئيسي للقيام بهذا العرض المسرحي حيث الهجرة المستمرة بسبب الحروب والعنف والسياسة وغيرها، إذ يأتي اللاجئون إلى أوروبا معتقدين أنهم سيتعايشون هنا في المجتمع الأوروبي بسهولة إلا أن البعض منهم يندمج مع المجتمع والآخر يفشل في ذلك.

وحتى لو حدث الاندماج -يقول راسم- تظهر على السطح إشكاليات كبيرة، خاصة حينما يتعلق الأمر بالارتباط مع شخص مختلف، "وهذا ما دفعني لمحاولة الإجابة عن هذه التساؤلات عن مفهوم الهوية"، مؤكدا أن الحب يعلو على أي قيمة.

المصدر : الجزيرة