أمير تاج السر*

في لقاء ودي جمعني مباشرة ببعض القراء طرحت أسئلة كثيرة تخص الشأن الإبداعي وطقوس الكتابة، وكلها أعتبرها أسئلة موجودة دائما في ذهنية القارئ ويخاطب بها أي كاتب يلتقي به، وهي أيضا موجودة في معظم الحوارات الصحفية التي تُجرى مع المبدعين.

فالقارئ يريد لمحة من خفايا الكاتب، ويريد زاوية في مطبخه يتأملها، أو غرفة في بيت كتابته نادرا ما تفتح، ليطل داخلها لعله يعثر على شيء.

وأعتقد أن كثيرا من الكتاب والشعراء فتحوا غرفهم الخاصة ومعامل إنتاجهم في كتب أو مذكرات أصدروها، وبذلك لم تكن طريقتهم في الكتابة خافية على أحد من القراء الذين يتابعونهم.

لكن دائما ما أسأل نفسي حين تواجهني الأسئلة الدقيقة عن خفايا كتابتي، ماذا يستفيد القارئ إذا عرف شيئا عن خفايا الكاتب؟

مطبخ الكتابة
بصفتي قارئا أجبت عن هذا السؤال بكل بساطة، ولطالما كنت في قمة الفضول -ولدرجة الهوس- لمعرفة تلك الأدوات المطبخية التي يستخدمها كتابي المفضلون في إنتاج أعمالهم، ولا أعني هنا الثقافة أو موهبة الكتابة، ولكن أشياء مثل الممارسات اليومية ساعة الكتابة: في أي وقت يكتبون، كم ساعة يقضونها في ألم الكتابة ومتعتها يوميا، وكم كلمة يخرجون بها من عراكهم اليومي؟

لطالما أحببت غابرييل ماركيز وأنطونيو غالا وأورهان باموق، وعددا آخر من كتاب العالم والعرب، قرأت أعمالهم عدة مرات، وسعيت لقراءة ما كتبوه عن خفاياهم

المسألة ليست ضرورة ملحة بقدر ما هي جزء من المحبة التي يكنها القارئ لكاتب ما، ولطالما أحببت غابرييل ماركيز وأنطونيو غالا وأورهان باموق، وعددا آخر من كتاب العالم والعرب، قرأت أعمالهم عدة مرات، وسعيت لقراءة ما كتبوه عن خفاياهم، وخرجت بِرِيٍّ جيد للفضول دعّم من محبتي لهم وتطلعي لقراءة المزيد من الأعمال للذين ما زالوا أحياء وينتجون، وإعادة قراءة ما أعرفه عن إنتاج الذين رحلوا منهم.

في كتاب "ألوان أخرى" لأورهان باموق كثير من الرؤى الجيدة والملامح الجميلة لعالم مترف الجمال، وإسطنبول مدينة وهبت الإيحاء لمعظم الكتاب الأتراك قديما وحديثا، وما زالت تهبه للعديد من الذين يكتبون هذه الأيام.

إسطنبول مدينة ساحرة فعلا، فهي عروس مزركشة محاطة بالورد في أماكن، وامرأة مسنة تحتضر في أماكن أخرى، فيها لعب جغرافي، وزخم تاريخي، وموارد من الحنين إليها للذين يزورونها ويغادرونها، ويستطيعون كتابتها في روايات، وأعتقد أنها من أكثر المدن التي عُقدت بينها وبين الروايات مصالحة ما.

باموق في كتابه تحدث كثيرا عن المدينة، وهي جزء كبير من عالمه، كما تحدث أيضا عن طقوسه في كتابة الروايات، وذكر مناسبات معينة أوحت له بكتابة بعض أعماله، وذكر أبحاثه التي أجراها من أجل أن يكتب نتائجه التي خلص إليها، وكيف كوّن شخوصا وألغى آخرين، وكيف أنجز في النهاية كتابا مثل "اسمي أحمر" الذي أعتبره أحد أفضل أعماله.

في السيرة التي كتبها البريطاني جيرالد فورد بعد أن قضى سنوات يحاور ماركيز ويحاول أن يستنطقه كثير من العوالم السحرية والتشرد الغريب الذي مارسه هذا المبدع

ولماركيز مقالات تتحدث عن علاقته بالكتابة، وهي علاقة حميمية بالطبع وإن كان ماركيز بتواضعه الكبير يشير إليها بحماس ليس كبيرا.

وفي السيرة التي كتبها البريطاني جيرالد مارتين -بعد أن قضى سنوات يحاور الروائي الكبير ويحاول أن يستنطقه- كثير من العوالم السحرية والتشرد الغريب الذي مارسه ماركيز، لكنه لم يكتب تلك العوالم كلها في رواية، وهذا ما أسميه ضغط الفكرة الذي إما أن يدفع الكاتب للكتابة وإما أن يبعده عنها.

ويحدث كثيرا أن تسيطر فكرة ما أو حادثة مرت بالكاتب أثناء حياته العادية، لكنها لا تصبح رواية أو قصة حتى لو اكتملت أركان الكتابة فيها، بينما تأتي خاطرة صغيرة تتمدد بغتة وتصبح رواية كبيرة، وأحسب أن كثيرا من الأعمال العظيمة نبتت هكذا.. أفكارا كان من الممكن أن تضيع.

ماركيز والإبداع
وأعتقد أن الفترة التي قضاها ماركيز في باريس مراسلا لصحيفة في بلاده، وتأرجح فيها بين الفقر والغنى والتشرد والاستقرار، ومصادقة الجميلات وغير الجميلات كانت من الممكن أن تشرق في عمل من أعماله، لكن هنا أيضا تأتي مسألة المحلية التي تأبى أحيانا أن تستضيف غرباء في كتابتها.

القراء يسألون دائما والصحفيون يسألون أيضا عن علاقة المهن التي يمتهنها المبدعون بكتابتهم، ولدرجة أن أصبح هذا السؤال عالة على المبدع، يتمنى أن يردد سريعا من طرف المحاور حتى يجيب عنه إجابة بات يحفظها.

لا عمل روائيا يشبه الآخر في خضوعه لزمن معين، فلربما ينتهي عمل ضخم في زمن بسيط، ولربما يستغرق عمل صغير وقتا طويلا، وأقول إن زمن الكتابة هو الأقصر دائما في الروايات، أقصر من زمن التفكير والبحث والتقصي

ولكي أكون أمينا في ردي على سؤال كهذا يخترع له بعض الزملاء المهنيين من الكتاب بهارا غير حقيقي، فإن المهنة لا علاقة لها بالكتابة أبدا، وإنما الكتابة عبء إضافي على المهنة التي قام بدراستها الكاتب في شبابه، مثل القضاء والمحاماة والهندسة والعمل الطبي، وليس من حقه أن يضع لقب المهنة في إصدار أدبي، أو يستخدم إصداراته الأدبية للترويج لمهنته.

الكتابة جرح آخر فعلا، يولد به البعض ويُعفى البعض من آلامه، وبعد سنوات طويلة من الكتابة يحق لي أن أقول إنها من الأشياء التي لم أكن أتمنى لو امتلكتني في يوم من الأيام.

ويسأل القارئ أيضا عن زمن إتمام الرواية مدفوعا بشعور قوي بأنه قد يصبح كاتبا ذات يوم، أو هو يكتب بالفعل ولا يزال في مرحلة إخفاء كتابته.

السؤال هنا بلا إجابة شافية، لأن لا عمل روائيا يشبه الآخر في خضوعه لزمن معين، فلربما ينتهي عمل ضخم في زمن بسيط، ولربما يستغرق عمل صغير وقتا، وأقول إن زمن الكتابة هو الأقصر دائما في الروايات، أقصر من زمن التفكير والبحث والتقصي الذي غالبا ما يستولي على أشهر كاملة.

عموما، نرحب بالمحبة في شتى صورها، المحبة التي تقرأ الإنتاج وتحتفي به، والمحبة التي تمتلئ فضولا وتركض للبحث في الخفايا، ولا بأس من فتح الغرف المغلقة قليلا، وفتح نافذة في المطبخ الإبداعي لتدخل عبرها بعض النظرات الفضولية.
________________ 

* روائي وكاتب سوداني

المصدر : الجزيرة