توفيق عابد-عمّان

تطرح مسرحية "رحلة 2007" لمخرجها تيسير البريجي قضايا الفئة المهملة في المجتمع الأردني، وتدين تقصير المؤسسات العاملة بواجباتها تجاه المعاقين، وسط حضور غالبيته من المثقفين والأسر، وتوجه رسالة مباشرة وقوية مفادها: نحن هنا.

وعلى مدى 45 دقيقة، تطالب المسرحية وعلى لسان أبطالها المعاقين حركيا وبصريا وسمعيا بتصحيح وجهة نظر المجتمع، والتعامل معهم كبشر لهم حقوق متكاملة كالأسوياء، وليس بدافع الشفقة، في إشارة واضحة لمقطع من قصيدة الراحل محمود درويش " تفضلوا اشربوا القهوة معنا.. لكي تشعروا بأنكم بشر مثلنا".

وجاء عنوان المسرحية -التي قدمتها "فرقة قدرات مميزة" على خشبة مسرح عمّون وسط العاصمة الأردنية عمّان الجمعة مساء- مستوحى من قانون المعاقين عام 2007 الذي لم تنفذ أغلبية بنوده، الأمر الذي أبقى المعاقين دون خدمات أو رعاية كافية تساعدهم في تحمل أعباء إعاقاتهم وحقهم في حياة مستقرة وآمنة.
 البريجي: المسرحية تشير لوضع المعاقين والتقصيرالرسمي والشعبي تجاههم (الجزيرة)

خطف ومطالب
ووفق أحداث المسرحية -وهي تأليف جماعي حيث اطلع المخرج البريجي على مشكلات المشاركين وأسقطها داخل القصة المسرحية- فإن الشبان الخمسة ينجحون في خطف طائرة أثناء رحلة للفت نظر المجتمع الأردني والعالم لواقعهم الصعب، وتنفيذ مطالب إنسانية تمثلت بالتعليم والعمل والحرية والتأهيل وتوعية وتثقيف الناس بمشاكل المعاقين حركيا، لكن المشهد بقي مفتوحا من قبل المخرج ليدق الجرس ونحاسب أنفسنا ونراجع مواقفنا تجاههم، وما ينبغي علينا عمله.

ورغم بساطة السينوغرافيا -وهو مجموعة مقاعد وخلفية داخل طائرة- فإن العرض جاء مشوقا ومؤثرا، تفاعل معه الجمهور بحماس وتصفيق مرات عديدة، ربما لأن قضاياهم ملموسة وعادلة، فقد علّق راعي المسرحية اللواء السابق في منظمة التحرير الفلسطينية نياز أبو رزق بقوله لأبطال المسرحية "أنتم مبدعون، أفضل منّا جميعا".

وفي حديث للجزيرة نت، قال البريجي إن "العمل المسرحي يشير لوضع المعاقين حركيا والتقصير الرسمي والشعبي في تطبيق القانون، ورفض التعامل معه عاطفيا". وعلى المجتمع ومؤسساته تهيئة الظروف المناسبة للمعاق ليتكيف مع إعاقته غير المسؤول عنها.

كما يدين العمل المسرحي وسائل الإعلام وخاصة المسموعة من خلال برنامج المواهب الذي تفتقد مقدمته أية ثقافة تجاه الإعاقة، ولمجرد معرفتها أن الموهبة تعاني من إعاقة تغلق الهاتف تحت ذريعة "انقطع الخط".

وخلال العرض قدم فيلم يمزج بين المسرح والسينما، ويبين كيف يقود محمود الزيات -الذي خلق دون يدين من الكتف- الطائرة، والكفيف عبد العساف يوجه الإحداثيات ويغير اتجاه الطائرة المخطوفة، وعبد المجيد الحجوج يفاوض برج المراقبة، وسعيد كعوش الذي فقد رجليه يخادع رجال أمن الطائرة لتسهيل عملية الخطف، ووصفه بعض الحضور بأنه فاكهة العمل المسرحي.

مشهد من مسرحية "رحلة 2007" عن المعاقين ومن أدائهم (الجزيرة)

نجوم تألقت
هؤلاء الأربعة بحركتهم على خشبة المسرح وتبادلهم المواقف الكوميدية والأغاني كانوا نجوما، حملوا قضيتهم فأبدعوا ولفتوا انتباه الحضور بـ"قفشاتهم" وحركاتهم المدروسة وصدق تعبيرهم، وأثبتوا أنهم أصحاب حق، ومن هنا حصدوا إعجاب جمهورهم وتقديره.

وفي إشارة واضحة لتجاهل المجتمع ومؤسساته لأوضاع المعاقين، يتبادل الممثلون حوارا تناول الرعاية المجتمعية "من يسأل عنك إلا أمك".

وتضمنت المسرحية على متن الطائرة قصة إعجاب بين المضيفة رهام الكردي ومحمود الزيات تطورت لحب، في محاولة من المخرج البريجي لإثبات أن الحب لا يفرق بين البشر، بل يكسر الحواجز ويحقق المعجزات، ومن حق المعاق الحب والزواج وبناء أسرة، وهذه واحدة من رسائل المسرحية للجمهور ومؤسسات الدولة المسؤولة عن تنفيذ القانون 2007 الذي اشتقت المسرحية اسمها منه.

لا للشفقة
ووفق ما قاله الممثل عبد المجيد الحجوج، فإن مسرحية "رحلة 2007" تسلط الأضواء على ذوي الإعاقة وإبداعهم وقدراتهم بوضوح ودون خجل، فنحن نرفض الشفقة ونطالب بحقوقنا بحسب الاتفاقية الدولية وقانون الإعاقة بشكل دقيق، ونسعى لتحقيق أهدافنا في الحياة والتعليم والعمل.

وقال للجزيرة نت "الإعاقة ليست بالجسد بل بالفكر"، وهذه نقطة انطلاق وتعزيز لروح المشاركة والتعاون بين الأشخاص العاديين والصم ودمجهم في الحياة العملية.

أما رهام الكردي فقد أجادت دورها كمضيفة طيران، ومقدمة لبرنامج المواهب، في حين أشجى وأجاد عبد العساف بعزفه على الناي.

المصدر : الجزيرة