ناصر يحيى*

شكّل الأئمة الزيديون وشيوخ القبائل ثنائيا مذهبيا مسلحا في مناطق ظهور الدولة الشيعية في الجزء الشمالي الغربي من اليمن قرابة 1200 عام، وعزز تبادلية هذه العلاقة أن عقيدة حصر السلطة/الإمامة في العقيدة الشيعية على فئة السادة العلويين من أبناء فاطمة بنت النبي محمد صلى الله عليه وسلم، قطعت على الشيوخ أي إمكانية للتفكير فيها.

لكنّ الحاجة إليهم في الحرب والكر والفر ولاءً لهذا الإمام أو ذاك، والدور التاريخي للقبائل في احتضان العلويين وحمايتهم، عزز من قوة القبيلة ونفوذ الشيوخ عند الأئمة، وجعلهم في كثير من الأحيان شوكة الميزان التي تغلب إماما على منافسيه. وكانت القبائل القوية مثل قبيلة "حاشد" تعد نفسها من أنصار الإمام، وليست مجرد رعية وأتباع! 

التنافس على الإمامة
ومع استمرار الصراعات على السلطة بين المتنافسين على الإمامة، صار دور القبيلة المحاربة محكوما -دون إنكار وجود بُعد ديني- بقدر ما يستطيع الطامعون في الإمامة أن يتحملوه من تكاليف المقاتلين.

اليمن شهد في فترات متعددة ظهور دعاة متنافسين على الإمامة في وقت واحد -وأحيانا في مناطق متقاربة- قد يصل عددهم خمسة أو أكثر.. وكل هؤلاء كانوا بحاجة إلى جيوش من المقاتلين لا يستطيع إلا شيوخ القبائل توفيرهم

فقد كان اليمن يشهد في فترات متعددة ظهور دعاة متنافسين على الإمامة في وقت واحد -وأحيانا في مناطق متقاربة- قد يصل عددهم خمسة أو أكثر. وكل هؤلاء كانوا بحاجة إلى جيوش من المقاتلين لا يستطيع إلا شيوخ القبائل توفيرهم لخدمة القادر على توفير الأموال والطعام. وعلى منوال العبارة الشهيرة "البقاء للأقوى"، فقد صارت هنا "البقاء للأكثر مالا وطعاما".

ولذلك، لم يكن مستغربا أن يتخلى المجاهدون عن إمام كانوا يقاتلون تحت رايته بعد أن تنفد خزائنه من المال والطعام، ويسارعون إلى الالتحاق بالإمام المنافس على الجانب الآخر إن علموا أن خزائنه ما تزال مليئة بزاد الحروب! أو كما قال أحد شعراء القبائل:
ما أنا قبيلي أحد ولا حد دولتي   ما دولتي إلا من املا جيبي قروش.

وكان الإمام يحيى حميد الدين (1918-1948) أحد الأئمة الذين حكموا اليمن فترة طويلة، وهو كغيره اعتمد على القبائل وشيوخها في محاربة الأتراك بوصفهم قوة أجنبية غازية، وفي تثبيت سلطانه. ولما استتب له الأمر، بدأ في مضايقة أبناء القبائل وإقصائهم عنه ومحاولة إذلالهم، الأمر الذي جعل كثيرين ينقلبون ضده.

أئمة وشيوخ
وتحتفظ الذاكرة الشعبية اليمنية بحكايات عديدة عن تصدي المشايخ الأقوياء لتعنت الإمام يحيى ورفضهم لبعض سياساته وممارساته، خاصة مع انتشار المظالم والفقر والجهل الذي صار سياسة مقصودة من الأئمة لتحجيم المعارضة والرفض الشعبي لهم.

الذاكرة الشعبية تحتفظ بحكايات عن تصدي الشيوخ الأقوياء لتعنت الإمام يحيى ورفضهم لبعض سياساته وممارساته، خاصة مع انتشار المظالم والفقر والجهل الذي صار سياسة مقصودة من الأئمة لتحجيم المعارضة والرفض الشعبي لهم

وفي الأخير، كانت نهايته على يد شيخ ثائر قاد عملية اغتياله بعد أن حصل على فتوى من "السيد" الذي سيخلفه إماما في ثورة الدستور عام 1948!

وحتى وصول يحيى إلى منصب الإمامة، كان للشيخ ناصر الأحمر -جد الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر- دور حاسم في إقناع فقهاء الزيدية باختياره إماما.

ففي اجتماع للفقهاء لتحديد اسم الإمام الجديد من بين المتنافسين -الحق أنه كان اجتماعا نادرا في تاريخهم، وإلا فإن الأصل هو إعلان الطامح إلى الإمامة عن نفسه إماما بالسيف- حدث خلاف كبير حول المستحق للمنصب، وكان الشيخ الأحمر حاضرا وميالا إلى اختيار يحيى ابن الإمام السابق، وعندما سمع الفقهاء يتحدثون عن افتقاده شرطا من شروط الإمامة (14 شرطا) أخرج سيفه وهزه أمام عيونهم قائلا لهم "ما بش (لا يوجد) إمام إلا سيدي يحيى.. وهذا الشرط الناقص".. فسكتوا وقبلوا تنصيبه إماما!

ورغم هذا الموقف الحاسم، فإن الشيخ الأحمر لم يتردد في التمرد -ومعه مجموعة من الشيوخ الكبار- على الإمام يحيى والانشقاق عنه عندما صالح الأتراك ودخل في طاعتهم مقابل منحه سلطة دينية على أتباع المذهب الزيدي، فلم يستطع الشيخ وزملاؤه أن يستوعبوا مبرر الصلح وقبول الخضوع للأتراك التي قامت دعاية الحرب الإمامية ضد وجودهم في اليمن بأنهم خارجون عن الدين والملة، فاسدون أخلاقيا يرتكبون المحرمات ويشربون الخمور! فانضموا إلى إمام منافس شافعي هذه المرة هو محمد الإدريسي الذي كان في جيزان وصبيا، وعندما سئل واحد منهم عن سبب مناصرته له وهو شافعي وهم زيود، قال ببساطة "هذا إمام الذهب.. وذاك إمام المذهب".. وذهبت العبارة مثلا!

أول صدام
وفي حكايات اليمنيين عن دولة الإمام يحيى، يقال إن أول شيخ قبيلة تهجم عليه علنا هو الشيخ علي مطلق شيخ همدان، فمع حدوث خلاف بين الرجلين أهان الإمام الشيخ قائلا "من جعبلك (حوّلك) وفعلك شيخ؟"، فرد عليه باحتقار "الذي جعبلك (حوّلك) وفعلك إمام وأنت فقيه!".. ولقب "فقيه" يطلق عادة للسخرية والاحتقار على صغار الفقهاء!

عندما سمع الشيخ ناصر الأحمر الفقهاء يتحدثون عن افتقاد الإمام يحيى لشرط من شروط الإمامة (14 شرطا)، أخرج سيفه وهزه أمام عيونهم قائلا لهم: لا يوجد إمام إلا سيدي يحيى.. وهذا الشرط الناقص، فقبلوا تنصيبه

وتطور الخلاف بين الرجلين حتى أطلق الشيخ الرصاص على قصر الإمام فحبسه 11 عاما ولم يطلق سراحه حتى استنفد كل أمواله!

شيخ ثان اسمه حمود شريان كان من الكارهين للإمام، ذكيا سريع البديهة والجواب.. دخل يوما على الإمام لمتابعة أمر ما فلاحظ تشاغله عنه بما بين يديه من الأوراق الكثيرة المبعثرة، فلما ألحّ عليه اعتذر الإمام بكثرة انشغالاته وما بين يديه من مراجعات وقضايا الرعية التي لا تنتهي، فرد عليه ساخرا ردا صار مثلا على ألسنة اليمنيين "هم حق العام يا مولاي!".. أي أن هذه القضايا هي نفسها التي كنت تتظاهر بالانشغال بها العام الماضي فلم تنجزها وما زالت معطلة عندك!

وهناك حكاية أخرى جرت بينهما، فقد زار وفد فرنسي الإمام وفي اليوم نفسه جاء وفد من يهود المنطقة التي يتولى مسؤوليتها الشيخ شرهان فاستضافهم في بيته، وشاع الخبر بين الناس فاتخذها الإمام وسيلة للإساءة إليه، فاستدعاه وسأله مستنكرا "مه يا نقيب حمود.. عندك يهود في البيت؟"، فرد عليه سريعا "نعم يا مولاي.. هم الوفد حقي!".. أي "أنا معي وفد من اليهود.. وأنت معك وفد من النصارى"!

وهناك قائد آخر من قادة الإمام الذين استعان بهم في تثبيت سلطته يدعى علي زلعاط من قادة الفرسان، فلما تمكن من الحكم بدأ في الاستغناء عنهم ومضايقتهم وإنقاص مخصصاتهم من الغاز المستخدم للإضاءة، فلما اشتكى للإمام من أن مخصصه لا يكفي للإنارة قال له الإمام "احسكوا - أي أطعموا الدابة مساء- وارقدوا.."، فرد عليه ساخرا "كان -أي إذًا- قولوا لنا إنكم جيتوا ترقدونا!".
______________
* كاتب صحفي يمني 

المصدر : الجزيرة