حاوره: الخير شوار-الجزائر

يتحدث الباحث الجزائري محمد شوقي الزين في هذا الحوار الذي خصّ به الجزيرة نت عن إشكاليات ترجمة الفلسفة إلى اللغة التي يقول إنها تتحول إلى إبداع في حال الاصطدام بـ"المتعذرة ترجمته"، ومن هذا المنطلق يرى أن الفلاسفة العرب القدماء نجحوا في "استنباتها" في وقت عجز فيه المحدثون عن فعل ذلك، حيث لم تعد الترجمة "همّا فلسفيا".

ومحمد شوقي الزين واحد من أبرز الباحثين الفلسفيين في الجزائر، يكتب باللغتين العربية والفرنسية، درس في جامعة بروفانس بفرنسا وحصل على الدكتوراه في تخصص "الفلسفة والتصوف"، وأصدر الكثير من المؤلفات باللغتين، منها: "هويات وغيريات" و"الثقاف في الأزمنة العجاف" و"الذات والآخر". 

 تقول إن الفلسفة هي "المتعذرة ترجمته"، هل معنى هذا أن الترجمات الكثيرة للفلاسفة الغربيين في المكتبة العربية تبقى بلا معنى؟
استحضرتُ فكرة "المتعذرة ترجمته" بناءً على مقياس الترجمة الفلسفية الذي أدرسه لطلبتي في الجامعة. ما قصدته بذلك هو أن الفلسفة ككلمة أو مقولة هي ما تتعذر ترجمته، لأنها احتفظت بحرفيتها في جميع اللغات بما في ذلك العربية، وهذا سرّ قوتها وديمومتها في الزمن، إلى جانب مقولات أخرى كالديمقراطية والميتافيزيقا وغيرها من المفاهيم المتداولة.

كلما تعذرت ترجمة مفهوم أو مصطلح كان هذا دليلا على فرادته وقوته، وتأتي الشروحات والتعليقات والكتابات لتوضح مغزاه ودلالته، وتوفر له السند الخطابي أو السردي في تبيانه وتفصيله

الفلسفة الحقيقية والإبداعية هي التي تتعذر ترجمة مصطلحاتها إلى اللغات الأخرى، لأن لها منبتا خاصا ومنبعا أصيلا، وأستحضر -على سبيل المثال لا الحصر- المفاهيم الفاعلة في تاريخ الفكر التي تتعذر ترجمتها إلى اللغات الأخرى، مثل"الأبيرون" عند اليونان القدامى، "الفهوانية" عند ابن عربي، "الأوفبونغ" عند هيغل، "الدازاين" عند هايدغر، إلخ. كلما تعذرت ترجمة مفهوم أو مصطلح كان هذا دليلا على فرادته وقوته، وتأتي الشروحات والتعليقات والكتابات لتوضح مغزاه ودلالته، وتوفر له السند الخطابي أو السردي في تبيانه وتفصيله.

 لماذا -في رأيك- نجح الفلاسفة المسلمون القدماء في "استنبات" الفلسفة في البيئة العربية انطلاقا من الترجمة، في حين فشل المتأخرون في ذلك؟
في الحقيقة، كانت الترجمة في الحضارة الإسلامية من قيام مترجمين عرب أو ناطقين بالعربية، مسيحيين أو يهود يتقنون اللغة اليونانية (بحكم ترجمة الأناجيل من السريانية إلى اليونانية)، ووُفّقوا نوعا ما في نقل التراث اليوناني إلى الحضارة الإسلامية واعتمد عليه الفلاسفة المسلمون (الكندي، ابن سينا، الفارابي، ابن رُشد) في شروحهم على الفلسفة اليونانية (الأرسطية خصوصا) وفي البناء عليها بكتابات خاصة حاولت التوفيق بين هذا "الوافد" البرّاني و"الرافد" في الثقافة الإسلامية بمرجعياتها الكبرى (القرآن، الخبر النبوي، التراث عموما).

أما المتأخرون -إذا استثنينا القلة منهم- فإن الترجمة لم تعُد عندهم "همّا فلسفيا" في طريقة نحت المصطلحات وابتكار المفاهيم، ولكن ترجمة آلية آنية، لغرض مادي أو غيره، تُفقد النص الأصلي قوته النظرية والرمزية، وتُفقد لغة الترجمة رونقها وأسلوبها. وعندما احتفظ الكندي بالكلمة اليونانية "الأيس" وجعل بجانبها كنقيضها "الليس" في الإشارة إلى العدم، فإنه حافظ على "المتعذرة ترجمته"، وقام بتعريبه. وعندما عرّبه حافظ على قوته النظرية في مرجعيته الأصلية، وجعله قابلا للهضم أو الاستيعاب في لغتنا الأم.

غلاف كتاب "ميشال فوكو: في القبلي المدرك في الخطاب والتاريخ والراهن" لمحمد شوقي الزين بالفرنسية (الجزيرة)

 هل تقترب هنا من أطروحة الباحث طه عبد الرحمن الذي يدعو إلى "النقل الإبداعي" للنصوص بما يلائم الثقافة المحلية؟
أوافقه بلا شك في فكرة "الإبداع"، لكن الترجمة عندي هي نوع من الضيافة (hospitality) بالمعنى الذي استعاره الفيلسوف الفرنسي بول ريكور عن اللاهوتي الألماني شلايرماخر. معنى ذلك، عندما نترجم لا ننفي قول الآخر بإحلال خصوصية اللغة التي نترجم بها (وكان هذا هجوم شلايرماخر على الترجمة الفرنسية "التأصيلية"، واعتبرها استعلائية وإثنومركزية، تُحطم لغة الآخر بنرجسية اللغة الفرنسية التي كانت عالمية في عز الأنوار وفي بداية الصراع الأيديولوجي الفرنسي الألماني)، ولكن نراعي رؤيته في العالم (Weltsicht, Weltanschauung) وخصوصية مقولاته -بما في ذلك المتعذرة ترجمتها- في إطار مرجعيته الثقافية والنظرية.

لا يكون الإبداع بإعدام الآخر، ولا يكون الإبداع بالانطلاق من عدم. عندما حاول طه عبد الرحمن التفكير في الإبداع من خلال الترجمة واقترح الكوجيتو الديكارتي كعينة، فإنه هدم أساسيات الوعي الغربي منذ الحداثة على الأقل وهي الذات (الأنا): الذاتية (ديكارت)، التحليل النفسي (الجرح الباطني)، الفينومينولوجيا (الوعي، القصدية)، هيرمينوطيقا الذات (ميشال فوكو)، الفردانية، الليبرالية، إلخ.

الغرب بأكمله مبني على بداهة "الأنا" (Je, Moi, Self)؛ نزعها من الكوجيتو عبارة عن مونولوغ عربي إسلامي لا يضيف شيئا سوى إسقاط منظومته النظرية والأخلاقية على أطر أخرى في المرجعية، بالمعنى الإثنومركزي الذي استهجنه شلايرماخر في النزوع الإمبريالي الفرنسي في زمانه. 

غلاف كتاب "الذات والآخر" لمحمد شوقي الزين (الجزيرة)

 وماذا عن تجربتك الشخصية في "الثقاف" التي تضمنها كتابك "الثقاف في الأزمنة العجاف".. هل ترى أنك نجحت في "تأصيل" السؤال الفلسفي؟
هذا سابق لأوانه، ويعود بالدرجة إلى الناقد في الحكم عليه. طرحتُ فكرة "الثقاف" كإطار خفي وخلفي للتصورات والممارسات، ووضعته في عداد البُعد الأنطولوجي والكشفي أي "الحقيقة"، فهو القالب الذي بموجبه تتشكل التصورات وتتبلور السلوكيات، وهو قابل للتقلص والتمدد أو القبض والبسط تبعا لطبيعة ووظيفة هذه التصورات والسلوكيات.

إلى جانب الثقاف، أحاول إدراج "الثقف" كبُعد معرفي وإدراكي في الوقوف على الظواهر والوقائع. لماذا الثقف؟ بحكم أننا نحيا في زمان مبني على السرعة أو التسارُع (وسائل النقل والاتصالات، المبادلات التجارية والمعرفية، الصفقات المالية والمعلوماتية، إلخ)، وبحكم أننا نتحرك داخل وحدة كبرى نسميها العولمة والتي تجعل الممارسات في درجة قصوى من الأهبة والنباهة واليقظة (مبدأ "الاحتراس من الافتراس" الذي استحدثتُه)، فإن النمط المعرفي الذي ينطبق على هذه الأحوال هو "الثقف".

أنا أحاول أن أضع "الثقف" إلى جانب الفهم والفقه والدراية والعلم، وأوفر له السند النظري والخطابي في ذلك. يدخل هذان المصطلحان (الثقاف، الثقف) في إطار فلسفة في الثقافة بأدوات نقدية وتأويلية وتداولية تحت رؤية شاملة هي "نقد العقل الثقافي".  

 أشدت بمقال للباحث المغربي رشيد بوطيب يقول فيه إن "المفكرين" العرب مجرد مؤلفين.. هل نحن بعيدون عن التفلسف إلى هذا الحد؟
أشدتُ بمقال الباحث المغربي رشيد بوطيب لأنه وضع اليد على الجرح الذي نعاني منه، وهو فقدان رؤية في العالم تقول بعُمق ما نحن عليه بالذات وما يمكن أن نكون عليه في الغد، وفق معجم أو خطاب أو تصور يتطلب العمل والجرأة في صوغه.

كم من كتاب تمّ تأليفه، وكم من ملتقى تم إجراؤه، وكم من نقاش تلفزيوني تم تنشيطه حول ابن رشد أو النهضة العربية أو مالك بن نبي، والحصيلة: كم من مفهوم أصيل تم ابتكاره؟

كم من كتاب تم تأليفه، وكم من ملتقى تم إجراؤه، وكم من نقاش تلفزيوني تم تنشيطه حول ابن رشد أو النهضة العربية أو مالك بن نبي، والحصيلة: كم من مفهوم أصيل تم ابتكاره؟ أقول "كم" رغم أنني لا أتحدث عن الكمية. التراكم في الكتب والملتقيات والنشاطات أصبح مجرد تكرار ممل لما قيل ويمهد لما سيُقال بنفس الصيغة والوتيرة.

وسط هذا الركام الشبيه بالحطام، نفتقد إلى القفزة والنبرة واللحظة الافتتاحية لكتابة تقول الآن والغد وطريقة الانتقال بهما إليهما. لم تنتقل عتبة التأليف إلى الإبداع سوى بقدر ضئيل، والشائع هو رد الفعل الذي لا يوازي الفعل، رد الفعل في استحداث "الاستغراب" في مواجهة "الاستشراق" أو "نقد على النقد" في التنديد بنقد العقل العربي، إلخ. هنا حتماً لا نُبدع ولكن نُبعد، بالقلب اللغوي الارتكاسي في حتف الغير أو مواجهة الآخر بأدوات الانفعال الآني والفوري.  

 أنت تكتب بالعربية وبالفرنسية، هل تشعر بـ"انفصام حضاري" ما عندما تنتقل من لغة إلى أخرى؟
أبدا، لأن الضيافة (hospitality) التي تعلمتها ممن صاحبتهم كجاك دريدا وعلي حرب، أو قرأت لهم على غرار بول ريكور، تجعلني أرى في اللغة أداة في التعبير عن فكرة أو خاطر، ووسيلة في التواصل.

أكتب باللغتين معا بمنطق عريق استلهمته من الكاردينال نيكولا الكوسي "علم تزامن النقيضين"، أو من ابن عربي "علم تآلف الضرتين"

الزج باللغة في متاهات الهوس في الهوية أو القومية أو الأيديولوجيا هو الحكم عليها بالإعدام. لم أنتبه أبدا إلى الصراع -خصوصا في الجزائر- الذي وضع الملاكمين في الحلبة الأيديولوجية، يوجهون إلى بعضهم البعض لكمات وضربات يريدونها قاضية وقاصمة. الحصيلة أننا أضعنا العربية لأنها تحولت إلى عُملة نادرة للإتحاف الشعري والنثري والدخول في المتحف، وأضعنا الفرنسية لأنها انحصرت في شعور نخبوي كبريائي احتقاري.

أنا أكتب باللغتين معا بمنطق عريق استلهمته من الكاردينال نيكولا الكوسي
(Nicolas de Cues): "علم تزامن النقيضين" (coincidentia oppositorum) أو من ابن عربي: "علم تآلف الضرتين". العربية والفرنسية وغيرها من اللغات هي كائنات للتعبير والتفكير، وليست سبايا حروبنا الهووية الصبيانية والارتكاسية. 

المصدر : الجزيرة