محمد نجيب محمد علي-الخرطوم 

يعتبر أحمد علي بقادي من كتاب الرأي الذين لعبوا دورا في الحياة السياسية السودانية، وتسببت مقالاته عن الجنوب في سماح الحكومة العسكرية بزعامة الفريق إبراهيم عبود بمناقشة القضية إعلاميا وعلى المنابر العامة، وقاد ذلك إلى إشعال ثورة 21 أكتوبر/تشرين الأول 1964 التي أطاحت بالحكم العسكري الأول.

ويعد بقادي المولود عام 1928 أحد أقدم الصحفيين السودانيين، إذ احترف العمل بالصحافة على فترات بدأت منذ العام 1952. وفي كتابه/مذكراته "صحافة بالسياسة" الصادر عن دار المصورات بالخرطوم هذا الشهر، يحكي بقادي تجربة سياسية وصحافية وفكرية شملت مراحل متعددة غطت تجارب شخصية عديدة منها السجن والمنفى ومصادمة الحكومات وتجربة حياتية زاخرة بالشجون والأحزان والأفراح.

انتمى أحمد بقادي مبكرا لليسار السوداني وفي فترة دراسته بالقاهرة ولخبرته في الطباعة أصبح أول كادر سوداني يساري يعمل مع الكوادر المصرية في طباعة منشورات سياسية منددة بالحكم الملكي، مما قاده إلى السجن الذي استمر إلى ما بعد ثورة يوليو/تموز 1952 وخرج في يونيو/حزيران 1956 بإعفاء رئاسي، ومنع بموجب ذلك من دخول مصر وهو المنع الذي استمر إلى يومنا هذا.

يروي بقادي عن زمالته في سجن القناطر وسجن مصر ".. كان من بين رفاقنا في سجني مصر والقناطر الخيرية حيث قضينا مدة الحكم الصادر في حقنا مجموعة كبيرة من الأساتذة المصريين ليس في مجال السياسة والأدب فحسب وإنما في شتى مجالات العلوم، ولم يضع الرفاق المسؤولون عن إدارة شؤوننا داخل السجن وقتا ونظموا لنا حلقات الدراسة اليومية وكان من بين رفاقنا في فترة السجن التي قضيتها بمصر الأساتذة شهدي عطية الشافعي خبير اللغة الإنجليزية والدكتور شريف حتاته أستاذ الأدب الفرنسي وأحمد المصطفى الخبير في علم الاقتصاد.. ولا أذيع سرا إذا قلت إن فترة دراستي في السجن كانت أقيم وأثرى من كل فترات الدراسة النظامية العادية".

حريق الرأي العام

أحمد علي بقادي (الجزيرة)

تسببت المقالات التي كتبها أحمد بقادي ضد التحركات السياسية التي استغلت قضية الجنوب وفتح المنابر لمناقشتها في تحريك الشارع والإطاحة بالحكم العسكري للفريق عبود، في بروز موجات شعبية رافضة لهذا الخط، وهجمت جموع غاضبة على مطابع صحيفة "الرأي العام" التي كان يملكها إسماعيل العتباني وأحرقتها في أكتوبر/تشرين الأول 1964، مما أدى إلى فصل بقادي من الصحيفة.

وقد كان بقادي أول مشرف على ملف ثقافي في صحيفة سودانية سياسية "الرأي العام" في العام 1961 التي تعد مرجعا رئيسيا لكتاب سودانيين ذاع صيتهم في العالم العربي أمثال الدكتور محمد عبد الحي والدكتور يوسف عايدابي والمحاضر في التاريخ الأفريقي في الجامعات الأميركية الدكتور عبد الله علي إبراهيم.

وعاش بقادي أكثر من ثلاثة عقود في المنافي الاختيارية في ليبيا وقبرص ولندن والولايات المتحدة، وعاد عام 1994 ليعمل في صحيفة "السوداني الدولي" التي أغلقت لمناهضتها حكومة الإنقاذ الوطني، وذهب إلى الولايات المتحدة وعمل في مجال صحافة عربية محلية هناك وأستاذا للحاسوب لكبار السن، وبعد ما يقارب نصف قرن من مغادرته صحيفة "الرأي العام" عاد بقادي كاتبا صحفيا بها حتى الآن.                                              

كتب بقادي مقالا عام 1960 في "الرأي العام" قبل التحاقه بها حول كتاب "ملامح من المجتمع السوداني" للكاتب والمؤرخ الراحل حسن نجيلة، مما تسبب في تحويله إلى مجلس تحقيق من الحزب الشيوعي السوداني وتجميد نشاطه بحجة أنه كتب عن أحد أعداء الحزب.

عن كتابه "صحافة بالسياسة" يقول بقادي للجزيرة نت "ما رميت إليه من كتابة مذكراتي أن أوثق لمواقفي في الصحافة السودانية وفي السياسة، وقد سردت -مهنيا- الوقائع التي عشتها بأبعادها  التاريخية".

الناقد عامر محمد أحمد:
هذا الكتاب شهادة للتاريخ وعنوان عريض لمناضل جسور لعب أدوارا في الصحافة والسياسة السودانية

الخروج من الحزب
وعن تجربته مع الحزب الشيوعي السوداني، قال بقادي إن الحزب أخطأ معه منذ التحق به وحتى خروجه، "فهو حزب دكتاتوري وليس فيه اعتبار للرأي الآخر ووجهات النظر، وأنا لا أنفذ الأوامر ولكني أختار مواقفي".

ويقول محرر المذكرات الناقد عامر محمد أحمد "هذا الكتاب شهادة للتاريخ وعنوان عريض لمناضل جسور لعب أدوارا في الصحافة والسياسة السودانية، وبقادي من الرواد الأوائل أصحاب القضية الذين لم يساوموا قط ولم يرضخوا لقيد سوى قيد الكتابة والمهنة".

في حين يشير الناقد الدكتور مصطفى الصاوي إلى أن بقادي قرر في ميثاقه "السِيَري" أن يلفت انتباه الناس إلى كل ما هو مسيج بستائر كثيفة ونقرأ هذا القول باعتباره الوفاق السيري الذي عقده مع المتلقي والذي عززه بأنه سوف يلتزم المهنية والصدق والموضوعية وهذا عين ما فعله.

ويضيف الصاوي للجزيرة نت أن بقادي أشار إلى قليل من سيرته الذاتية -الدراسة بمصر وتجربة السجن والعودة إلى السودان- ولكنه ربط هذه المذكرات بالصحافة والسياسة، وهذا العمل نهض على احترام التركيب الخطي المتصاعد للأحداث، وأشار إلى مواقف جديرة بالوقوف عليها مثل ثورة أكتوبر/تشرين الأول 1964 وتهجير أهالي حلفا، مما يؤكد احتواء هذه المذكرات على أحداث دالة، ويؤكد الصاوي أن هذا العمل مهم وجاد تحديدا في عالم الصحافة الزاخر بالأحداث والتي غُيب أكثرها.

المصدر : الجزيرة