أمير العمري*

نتحدث كثيرا عن أزمة السينما العربية وعن الفيلم العربي دون أن نتوقف أصلا لكي نفهم عن أي أزمة نتحدث؟

ويشكو كثير من مخرجي الأفلام في العالم العربي من عدم وصول أفلامهم إلى الجمهور، ومن الهيمنة الطاغية للفيلم الأميركي على سوق السينما العربية، ومن غياب الدعم الذي تقدمه الحكومات العربية للسينما. ويلجأ الكثيرون منهم بالتالي إلى البحث عن الدعم المنشود في بعض دول الغرب، وعلى الأخص فرنسا التي تتبع سياسة ثقافية معينة بعد أن ابتكرت ذراعا خاصة لتمويل الأفلام (غير الفرنسية) تابعة لوزارة الثقافة ووزارة الخارجية، طبقا لشروط ومواصفات معينة بالطبع، أساسها أن يكون الفيلم متوافقا مع الرؤى الفرنسية في السياسة الخارجية، ولو من بعيد وبشكل غير مباشر، وربما يكون من ضمن هذه العوامل استخدام اللغة الفرنسية في الأفلام.

لقد أصبح التمويل الفرنسي العنصر المشترك الأول بين الغالبية العظمى من الأفلام التي تنتج في بلدان المغرب العربي الثلاثة (المغرب والجزائر وتونس)، وبدرجة أقل أفلام السينمائيين من لبنان وفلسطين.

المدرسة الفرنسية
وقد يعود سبب طغيان التمويل الفرنسي أيضا إلى كون معظم المخرجين من بلدان المغرب العربي تلقوا تعليمهم وتكوينهم السينمائي في فرنسا، وتشبعوا بالتالي بالفكر السينمائي الفرنسي الذي يعتبر نفسه نقيضا للفكر السينمائي الأميركي.

الفيلم الأميركي عموما يعتمد على الميزانية الضخمة وعنصر الإبهار والنجوم، كما على البناء الروائي والحبكة والشخصيات التي تتصارع حول محاور مثل المال والسلطة والنساء

الفيلم الأميركي عموما يعتمد على الميزانية الضخمة وعنصر الإبهار والنجوم، كما على البناء الروائي والحبكة والشخصيات التي تتصارع حول محاور مثل المال والسلطة والنساء.

أما الفيلم الفرنسي فيميل إلى الميزانية الأقل، ولا يتمتع نجومه في العالم بما يتمتع به النجوم الأميركيون من شهرة، ويعتمد أساسا على فكر المخرج صاحب الرؤية أو البصمة السينمائية -وهو ما يعرف بـ"المخرج المؤلف"- تلك النظرية التي ابتدعها أصلا مخرجو الموجة الجديدة الفرنسية في أواخر الستينيات، كما تمزج تلك الأفلام بين التسجيلي والروائي الخيالي، الفني والتجريبي، وعلى طرق معقدة في السرد تخاطب جمهورا نخبويا.

ولا شك أن النظرة الفرنسية قد ألقت بظلال كثيفة على ما ينتج في العالم العربي (باستثناء مصر) من أفلام يميل مخرجوها أيضا إلى اتباع نظرية "المخرج المؤلف".

فمعظمهم يكتبون سيناريوهات أفلامهم بأنفسهم، ويميلون إلى البناء المتداخل الصعب الذي لا يتبع خطا سرديا واضحا أو قصصيا، ولا يعتمد على الحبكة.

وكان طبيعيا أن تعجز هذه الأفلام عبر خمسين سنة عن خلق نظام للنجوم يمكنهم جذب الجمهور إلى دور العرض لمشاهدة أفلامهم، كما عجزت عن اكتشاف طاقات درامية ومواهب حقيقية لكتاب سيناريو محترفين يزودون السينما بخبراتهم، وخلقت قطيعة بين السينما والأدب، فكل المخرجين يرغبون في كتابة أفلامهم بأنفسهم، سواء كنوع من الاستسهال أم خضوعا لعقيدة "المخرج المؤلف".

في الوقت نفسه، انتشرت بين السينمائيين في العالم العربي فكرة أن الفيلم العربي -غير المصري- هو "الفيلم الفني"، أما الفيلم المصري -الذي يُطلق عليه الفيلم التجاري- فهو يتناقض بالضرورة مع الفيلم الفني، كما لو كان الفيلم -أي فيلم- لا ينبغي له أن يحقق أرباحا ولا أن يتوجه للجمهور العريض أصلا، وهي الفكرة الأساسية في فن الفيلم.

هذا التناقض يتضح أكثر عندما نرى في الوقت نفسه المخرجين العرب يشكون من طغيان الفيلم المصري ونجومه على السوق، في حين تقتصر عروض أفلامهم على المهرجانات، وتعجز عن الوصول إلى الجمهور داخل البلد المنتج نفسه.

أفلام نخبوية
وبدلا من الاستفادة من تعدد المستويات والأنواع في السينما الأميركية -وليست كل أفلامها "تجارية" بالمناسبة، بل هناك من يصل إلى أقصى حدود التطرف الفني مثل المخرج تيرانس ماليك- أصبح المخرجون العرب يكتفون بالاحتجاج ضد هيمنة الفيلم الأميركي، متجاهلين أن الموزع الذي يستورد هذه الأفلام يتعامل معها كسلعة يجب أن تكون قادرة على جذب الجمهور.

عندما نتكلم عن "سينما" عربية نتكلم في الواقع عن حفنة من الأفلام، معظمها من التمويل الأجنبي، أو لا تحصل على دعم رسمي من الدولة إلا لو ضمنت أولا الحصول على تمويل من فرنسا، شأن معظم الأفلام المغاربية

وتبدو المسألة أكثر تعقيدا عندما نرى كيف يرفض السينمائيون العرب تدخل الدولة في المنتج السينمائي، رفضا للوصاية الفكرية والرقابة السياسية التي تحول بينهم وبين إنتاج ما يرغبون من أفلام تعبر عما يرونه المشاكل الحقيقية في الواقع، في سياق من النقد السياسي الذي أصبح الهاجس الأول عند معظم مخرجي الأفلام العربية، ولكنهم في الوقت نفسه، يطالبون الدولة بضرورة تقديم الدعم المالي لأفلامهم دون شروط، وهو تصور مثالي لا يجدي بالطبع.

في خضم ذلك الاشتباك القائم بين "الفني" و"التجاري"، وبين السينمائي المستقل والسينمائي الذي ينتج في إطار المؤسسات الرسمية أو الشركات الكبيرة، بين الفيلم العربي عموما والفيلم المصري خصوصا، وبين الفيلم الذي ينتج للعرض في المهرجانات الأوروبية ثم يختفي، وقد لا يصل أصلا إلى سوق البلد الذي ينتمي إليه مخرجه وصانعه، والفيلم الذي يصنع لكي يعرض فيما بعد في التلفزيون، ضاعت السينما العربية وضاعت قضيتها.

فنحن عندما نتكلم عن "سينما" عربية نتكلم في الواقع عن حفنة من الأفلام، معظمها من التمويل الأجنبي، أو لا تحصل على دعم رسمي من الدولة إلا لو ضمنت أولا الحصول على تمويل من فرنسا، شأن معظم الأفلام المغاربية مثلا.

ولم يعد هناك مجال أصلا للحديث عن "سينما عربية" مع ذلك التراجع المخيف في أعداد دور السينما في العواصم والمدن العربية خلال السنوات العشر الأخيرة.

تبقى المشكلة الأساسية كامنة في عزوف السينمائيين العرب -عموما- عن إنتاج أفلام تتنوع في اتجاهاتها وأنواعها، وتنشد الوصول إلى الجمهور العريض.

وبعد التجربة المتميزة الناجحة التي خاضها في الثمانينيات والتسعينيات المنتج التونسي الراحل أحمد عطية في إنتاج أفلام تونسية نجحت في الوصول إلى الجمهور داخل تونس، توقفت مثل هذه المحاولات بعد وفاة عطية، ثم انسحاب الكثير من المنتجين العرب الذين كان يراودهم الطموح لعمل شيء مختلف نتيجة تردي الأوضاع السياسية والاقتصادية والأمنية، وأصبح الفيلم المصري نفسه يواجه الكثير من المتاعب داخل سوق غير مستقرة لم تعد تقبل إلا بنوع واحد رئيسي هو فيلم الكوميديا الهزلية، وما عدا ذلك يعد مغامرة غير مأمونة العواقب!
____________

* كاتب وناقد سينمائي 

المصدر : الجزيرة