حاوره عبد الغني المقرمي-صنعاء

يلتقي في تجربة التشكيلي اليمني عدنان جُمّن الفنية الطريف والمحزن، والمألوف والمستغرب، والتصالحي والمستفز، وتُشكل هذه الثنائية قوام مسيرة فنية تمتد أكثر من أربعة عقود، قدم جُمن فيها منجزا فنيا ثريا احتضنت شيئا من تجلياته معارضُ فنية محلية وعربية وعالمية.

وفي حوار له مع الجزيرة نت، يتحدث الفنان عدنان جُمّن المولود بمدينة عدن عام 1960 عن معالم هذه التجربة التي أفادت كثيرا من مشارب الفن المختلفة من كلاسيكية وانطباعية وسريالية وتجريدية، لكن خصوصيتها الأعمق -حسب قوله- كانت مستمدة من مدينة عدن "بطبيعتها الساحرة وناسها الطيبين".

شجن البداية
ويشير جُمّن إلى مرحلتين مرت بهما تجربته الفنية، مرحلة تشكلت في مدارج الطفولة حين كان يمسك الفرشاة بأصابع مرتعشة، وبنشوة صوفية مثقلة بشجن البدايات، ويَدين في هذه المرحلة لأخيه الأكبر عازف الكمان الشهير ومؤسس أشهر فرقة موسيقية في سبعينيات القرن الماضي في مدينة عدن شكيب جمن رحمه الله الذي وثق علاقته بالخطوط والألوان، وظل يتعهده من دهشته الأولى حتى منحته اللوحة سرها المثير.

الفنان الراحل فريد الأطرش بريشة التشكيلي عدنان جُمّن (الجزيرة)

أما المرحلة الثانية -يضيف جُمن- فهي مرحلة التحول من رضى الهواية إلى قلق الاحتراف، وفيها درس الرسم بتقنياته المختلفة على يد فنانين روس ومصريين في قسم الفنون التشكيلية التابع لمعهد المعلمين في مدينة عدن، وهي مرحلة صعبة اكتنفتها الكثير من العوائق والمرارات الحلوة، لكنها كانت له مرحلة التحدي في أن يكون أو لا يكون.

وفي كلتا المرحلتين، يدين جُمّن لمدينة عدن في زمنها الجميل حيث كانت أنثاه الأولى، وملهمته التي أغرته بسحر الظلال والألوان منذ الخربشات الأولى حتى استقرت ريشته على روعة طرف من الإبداع.

ولا يُفضّل جمن من أعماله لوحة على أخرى، فكل واحدة منها تمثل -حسب قوله- مولودا لونيا له حميميته المتفردة ويختزل قصة شجن مختلفة، مؤكدا أن اللوحة لا تأخذ منه وقتا، ولكنها تأخذ عمرا، فهو يولد ويشب ويهرم فيها منذ الخطوط الأولى حتى مرحلة الدهشة حين يقف مندهشا أمامها، في لحظة استثنائية تصبح فيها اللوحة اسما آخر للفنان.

ويتعاطى جُمّن الرسم بالكلمات، فهو يكتب القصة القصيرة، لكن التشكيل عالمه الأجمل، وفضاؤه الأكثر رحابه، لأنه -كما يقول- مرآة الإنسانية الصادقة في فرحها وترحها، وفي انتصاراتها وانكساراتها.

عالم الكاريكاتير
وعن تجربته في فن الكاريكاتير، يشير جُمّن إلى مطلع ثمانينيات القرن الفائت بداية لولوجه في هذا العالم المثير، حيث بدأ يرسم لصحيفة "14 أكتوبر" الرسمية في مدينة عدن، ولأن الحكم كان شموليا آنذاك في جنوب اليمن كثرت الخطوط الحمر، وانحصر نقده الفني بحذر شديد على المظاهر الاجتماعية دون السياسية، ولم يختلف الأمر كثيرا في مدينة صنعاء التي انتقل إليها نهاية الثمانينيات، فقد كانت تعيش ذات الظروف وإن اختلفت المسميات.

وأضاف التشكيلي اليمني "بمجيء الوحدة اليمنية عام 1990 بدأت المرحلة الذهبية لفن الكاريكاتير في اليمن، حيث أتاحت التعددية السياسية لهذا الفن أن ينطلق متجاوزا المحذور السياسي، مستفيدا من الصحف التي ظهرت كترجمة عملية لهذه التعددية، فرسمتُ لصحيفة "المستقبل" ولصحيفة "صُمْ بُمْ" التي حصرت نشاطها في الرسم الكاريكاتوري، ولعدد من الصحف وفق قناعة ذاتية، رافضا كل العروض التي تقصدت ريشتي لتحويلها إلى أداة لخصومة سياسية مع هذا الطرف أو ذاك، لإيماني بأن الفن عموما أسمى من أن يُستخدم".

ذهول صامت
وعن انتكاسات الأزمة السياسية الراهنة على المشهد الفني والأدبي في اليمن، يرى جُمّن أن مُتاحات الفضاء المفتوح جعلت تأثير هذه الأزمة محدودا، ووفّرت بديلا للصحافة الورقية أكثر انتشارا، كما أن مجريات المشهد تستفز بتناقضاتها الموضوعية مجسات المعادل الفني خاصة لدى الفنون التي تُبنى على المفارقة كقيمة فنية كالأدب الساخر وفن الكاريكاتير.

لا ينكر جُمّن انعكاس رمادية المشهد السياسي على رؤية الفنان، لكنه يرى أن الفنان الحقيقي لديه من مواهب التأمل والغوص في حقائق الأشياء ما يمنعه من السقوط في متاهات الذهول الصامت

ولا ينكر جُمّن انعكاس رمادية المشهد السياسي على رؤية الفنان، لكنه يرى أن الفنان الحقيقي لديه من مواهب التأمل والغوص في حقائق الأشياء ما يمنعه من السقوط في متاهات الذهول الصامت، مؤكدا أن التوأمة التي يفرضها الفن بين الفنان والدهشة تجعل دوائر الرؤية لدى الفنان في اتساع دائم، وتمنحه مرونة نفسية هائلة تقيه مصارع التيه ومغبات اليباس، مؤكدا أن الفن التشكيلي في تعافٍ مستمر، وأن أسماء عديدة في المشهد التشكيلي اليمني بدأت تفرض حالة من الإبداع المذهل.

وعن دور الفنان في مجتمع يعيش على شفا جرف من الصراع والانهيار، يقول جُمّن "لا شك أن المسؤولية جسيمة، والواجب كبير، والفنان بطبيعة الحال يعيش هاجس هذا الواجب، ذلك أنه بمشاعره اليقظة وإحساسه المرهف أكثر الناس وعيا بما يدور حوله، وحين تشتعل الحرائق هنا أو هناك فإنه يعد نفسه المسؤول الأول عن إطفائها، وبالتالي يسعى من خلال موهبته إلى تقديم ما يمكنه تقديمه لإيقاف عجلة الخراب، وبذلك تتحول ريشة الرسام أو قلم الشاعر أو قيثارة الفنان إلى سلاح في يد حامله يستمد نبله من قيمة الانتماء للوطن".

المصدر : الجزيرة