هيثم حسين

يؤنسن المغربي أنيس الرافعي في عمله القصصي "مصحة الدمى" تلك الأشياء والكائنات المهملة والمهمشة، فيبث فيها حياة قصصية، ويخترع لها تاريخا، ويبني لها عالما من الأحلام والآلام، ويحاول تدوين سير بعضها وتقاطعها مع سير أصحابها، بحيث قد تتفوق الدمية بشهرتها على شهرة مخترعها، وتتصدر الاهتمام والواجهة.

ويؤالف الرافعي في كتابه -الذي نشرته دار العين بالقاهرة 2015- بين الكلمة والصورة في كتابه الذي يختار له توصيف فوتوغرام-حكائي، ويستعين بمفردات من قاموس التصوير والتطبيب معا، إذ يرمز إلى ضرورة معالجة الأعطاب التي تطال الدمى، وإعادتها إلى الواقع كي تؤدي دورها فيه.

ويستمر الرافعي على نهجه في تجريبه القصصي، ويسير تجريبه في منحيَين، الشكل والمضمون معا، فالفهرس عنده مسمى بقسم الأشعة، والكتابة في محاورة مع الصورة ترسمان معا صورة المجرب في مسعاه.

ويتكامل العنوان الرئيسي مع العناوين الفرعية والهوامش والإشارات المرجعية، لتساهم في توسيع دائرة العمل ونقله من حيز الكتابة القصصية المعتادة أو المرتكنة للأشكال النمطية إلى كتابة متحررة من قيود الشكل وباحثة في فضاء الحكاية عن أسرارها.

أرشفة وتوثيق
يحضر لدى الرافعي نوع من الأرشفة والتوثيق لتاريخ الدمى منذ اختراع الدمية وحتى تطورها اللافت وتشكيلها سوقا عالمية واسعة ومؤثرة، رغم ما قد تبدو عليه من هامشية، وكيف أنها كانت تستخدم من قبل الساسة والعسكريين، سواء في أوقات الحروب أو الأزمات، بحيث تخفف الضغوط والأعباء وتعوض بعضا من الحنان المفقود، وتكون بذلك موظفة في سياقات مختلفة.

يسعى الرافعي إلى إعادة الاعتبار للدمى، بحيث يخترع لها حكايات موازية وعوالم مميزة، لتمضي في سلسلة التأثر والتأثير، رافضة الانصياع لقسوة الزمن

عبر ثلاث عشرة حكاية ينتقل صاحب "يوم زائد بين الاثنين والثلاثاء" بقارئه في عالم الدمى، مؤثثا لها مصحة قصصية، ومشيرا في الوقت نفسه لمن يراها خالية من الروح والحياة إلى أنها تضج بالحياة، إذ يكون لكل امرئ مع الدمى حكاياته المختلفة، ويحكي كيف أن لها تاريخا يمكن الإفادة منه والبناء عليه، ودورها في عملية رأب الصدوع التي يخلفها الزمن لدى البشر.

ويسعى الرافعي إلى إعادة الاعتبار للدمى، بحيث يخترع لها حكايات موازية وعوالم مميزة، لتمضي في سلسلة التأثر والتأثير، رافضة الانصياع لقسوة الزمن، ولضربات سكاكين مَن يجرون لها عمليات جراحية ترميمية أو ترقيعية لإطلاقها مرة أخرى في رحلة جديدة.

ويمهد الرافعي لكتابه بمقولة للأميركية سوزان سونتاغ صاحبة كتاب "حول الفوتوغراف" تقول فيها "حين ينتابنا الخوف نطلق الرصاص، لكن حين ينتابنا الحنين نطلق الصور"، بالإضافة إلى مقولة لفلسبيرتو هرنانديث عن مشهد دمية ترتدي فستان عروس والانطباعات التي يخلفها ذاك المشهد لدى المتلقي. ثم يقدم بعد ذلك في "النسيجة" ما يشبه بيانه القصصي عن عالمَي الكلمة والصورة، مازجا بين التصور الشاعري والخيال السردي.

كما يحرض صاحب "أريج البستان في تصاريف العميان" قارئه على النظر في صمت الدمى وسكونها والاستماع إلى بوحها من خلال استنطاقها، وأن يجعل من ذاك الصمت لغزه الذي يغوص بالأسرار، وأن تصير أسراره نموذجا يقف أمام آلة ذات مصوب، نموذجا في وضعيات معينة بأعداد غير محدودة ولا نهائية، مثلما هي وضعيات جولات الشطرنج. ويروم دفع القارئ إلى التساؤل عن الحكي مع الزمان ومع المكان، ومع كل الأشياء الملموسة والمحسوسة المحيطة به.

كما يروم الكتاب خلق علاقة جدلية متبادلة بين الدمية والإنسان، والسؤال عن كيفية تسرب الحياة الداخلية للدمية عبر الجدار السميك الذي يفصل بين عالمه وعالم أشباحه، وكيف أصبح الجدار واهيا، وكيف صار في الجانب الآخر المرعب بمجرد استناده عليه، وكيف تمكن الجانب الآخر بكل ظلمته من الاندساس خلسة في داخله.

والتساؤل الأبرز يقول "مَن قال إن الدمية فارغة وليس بداخلها أحد؟ هل هي جسم بلا روح كما يشاع عنها، أم شكل مغاير وطاعن في الرمزية للروح المتلبسة الكسيرة، دمية الدواخل الإنسانية المتحركة التي لا نجتهد في رسمها كي لا تكون صورة دقيقة عن دمية الخوارج الصماء التي يمثلها جسدنا المعطوب؟".

مدونة فوتوغرافية
يشير القاص إلى جانب الإرجاء في كشف تفاصيل العلاقة الحميمية والملغزة مع الدمى، تلك التي تبدو غامضة بقدر وضوحها، ويختم "نسيجته" بقوله "إذا قيض لك أن تدري حينما تفقد لغة البشر وتتعلم لغة البكماوات، عندئذ من المحتمل أن تجف الحكايات وترفع الصور".

يبدو كتاب الرافعي محاكاة لكتاب "الغرفة المضيئة" لرولان بارت الذي يسجل فيه تأملاته في الفوتوغرافيا، ويفترق في التخصيص على الجانب الحكائي الممزوج بالتأملي، والتركيز على عالم الدمى

في حكايات الفوتوغرام يتجول القاص في مدونته الفوتوغرافية، يرتحل بين الأجنحة التي تشكل معمار حكاياته وكأنه يكون في مشفى للدمى، حيث جناح الغصص، والدمية تؤدي دورها في الإرشاد والتوجيه، تلقي تعليماتها وتعرف بنفسها، ثم تأتي الأجنحة التالية "جناح الأورام"، و"جناح الهلاوس"، و"جناح العاهات"، و"جناح الشظايا"، و"جناح الفصام"، و"جناح العدم".

ويهندس القاص متحفا للدمى، مفترضا أشياء متخيلة قد تبدو غريبة، ويختار صوره الفوتوغرافية من أمكنة مختلفة لفنانين ومصورين من الشرق والغرب، ليؤكد أن النظرة الإنسانية متقاطعة هنا وهناك، وأن بث الروح في الدمية والصورة يعيد تجديد التاريخ نفسه، وكأن ترميم الدمى المعطوبة هو ترميم للزمن نفسه وتخفيف من آثاره وتأثيراته، ناهيك عما يمثله ذلك من إعادة الاعتبار للأمكنة والرموز والهوامش.

يبتكر القاص متاهة من المتواليات الصورية/ القصصية والصور الشعرية المنسجمة مع الصور الفوتوغرافية التي يستهل بها فصول عمله وحكايات دماه، فتكون كل صورة بوابة إلى الحكاية، ونافذة للتلصص على تاريخ الشخصية أو التفاصيل الكامنة فيها، بحيث يتم تعريضها لضوء السرد وكشف غموضها، وربما إسباغ مزيد من الغموض عليها من خلال تظهيرها بأكثر من صيغة حكائية لا تتردد عن إثارة المسكوت عنه في العلاقات مع الدمى كأجساد وشخوص معا، أو كائنات "فرانكشتانية" بحلل وهيئات متباينة ومتجددة.

يبدو كتاب الرافعي محاكاة لكتاب "الغرفة المضيئة" لرولان بارت الذي يسجل فيه تأملاته في الفوتوغرافيا، ويفترق في التخصيص على الجانب الحكائي الممزوج بالتأملي، والتركيز على عالم الدمى وتداخلاتها المتشعبة مع عالمنا، ومثيرا أسئلة حول العلاقات الخفية والمحظورة وسلطة المغيب والمعتم عليه في الواقع، بحيث يظهر كأنه بحث أدبي في تاريخ الدمى وتطورها.

المصدر : الجزيرة