حاوره: هيثم حسين

يؤكد الروائي العراقي سنان أنطون - المقيم في الولايات المتحدة الأميركية والذي ترجمت أعماله إلى عدة لغات، ويدّرس بعضها في جامعات عالمية- أن ما يهمه بشكل أساسي هو القارئ العربي والأصداء في لغته ومحيطه الأصلي الذي يكتب له، وهو العالم العربي.

ويعتقد أنطون -الذي اختيرت روايته "يا مريم" في القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية في دورة 2013- أن الذاكرة الجمعية مهمة في أي مجتمع، وتصبح أكثر أهمية في مجتمعات مرت بتجارب صعبة ودكتاتورية وحروب وغزو واحتلال وخراب، حيث يتوجب على المثقف أن يكون ناقدا للسلطة السياسية والاجتماعية وصوتا ينادي بالحرية.

وبمناسبة فوزه بجائزة "سيف غباش بانيبال للترجمة الأدبية"، حاورت الجزيرة نت الروائي سنان أنطون عن أدبه وعن جانب مما يجري في بلده.

 نلت مؤخراً جائزة "سيف غباش بانيبال للترجمة الأدبية" عن ترجمتك بنفسك لروايتك "وحدها شجرة الرمان"، كيف وجدت العودة إلى أجواء عمل بعد أن انتهيت منه؟ ألا تحتمل ترجمة الروائي لنفسه إعادة اشتغال جديدة على الرواية؟

بدأت الترجمة بعد أشهر قليلة من إنهاء كتابة الرواية، وكان ذلك خريف عام 2010. وكان الدافع الأساس للترجمة هو الشوق الذي كنت أعانيه والحزن الذي اجتاحني بعد إنهاء كتابة الرواية. وهكذا كانت الترجمة عودة إلى عالم وشخصيات عشت معها أكثر من سنتين، كما أنني ارتأيت ألا يرافقها أحد غيري وهي تبدأ حياة جديدة في لغة أخرى. قد تحتمل أحيانا ترجمة الكاتب لعمله إعادة اشتغال، لكن هذا لم يحدث. حذفت جملا ومقاطع قصيرة هنا وهناك، لكنني لم أضف كلمة واحدة.

غلاف الرواية المترجمة "غاسل الجثث" التي كان عنوانها الأصلي بالعربية "وحدها شجرة الرمان" (الجزيرة)

 أين كانت الصعوبات بالنسبة إليك في ترجمتك لعملك، وهل حملت الترجمة أي تغيير أو تبديل في بعض التفاصيل، عدا العنوان الذي قمتَ بتغييره؟

صعوبات الترجمة هي نفسها أمام أي نص يترجمه المرء، وقد تكون هناك فائدة في أن يكون المرء هو الكاتب والمترجم في آن واحد، وهكذا يمكن لهما التحاور والتشاور! لم أشأ تغيير العنوان ولكن الناشر هو الذي أصرّ على تغييره، ودور النشر في الولايات المتحدة تحتفظ بحق اختيار العنوان. وستصدر الترجمة الفرنسية بعنوان لا يختلف عن عنوان النص العربي.

 وكيف وجدت تلقي القارئ الغربي للأعمال العربية المترجمة بشكل عام، ولأعمالك بشكل خاص، وهل تحظى بالاهتمام المنشود؟

ليس هناك طراز واحد للقارئ الغربي. هناك من يهتمون بالأدب المترجم ولكنهم أقلية. التلقي بشكل عام محكوم ببنية سوق الكتاب الذي تهيمن عليه دور النشر الكبرى التي تبحث عما يمكن أن يدر عليها أرباحاً هائلة. حصة الأدب المترجم في الولايات المتحدة هي 3٪ وحصة الأدب المترجم من العربية ضئيلة جدا ضمن هذه النسبة.

ما يتم الاحتفاء به والإجماع حوله من الأدب المترجم من العالم العربي في أميركا غالبا ما يكون ذلك الذي يعيد ترسيخ صور مبسطة استشراقية عن الآخر. والنجاح التجاري قلما يعكس قيمة أدبية أو فنية

ما يتم الاحتفاء به والإجماع حوله من الأدب المترجم من العالم العربي غالبا ما يكون ذلك الذي يعيد ترسيخ صور مبسطة استشراقية عن الآخر. والنجاح التجاري قلما يعكس قيمة أدبية أو فنية.

بالنسبة لي، حصلت ترجمة "إعجام" التي صدرت عام 2006 عن دار نشر "سيتي لايتس" العريقة على مراجعات ممتازة، واختيرت كمثال على الأصوات الواعدة من قبل مجلة "كيركس ريفيو".  ترجمة "وحدها شجرة الرمان" أيضاً حازت على صدى نقدي ممتاز، والروايتان تدرّسان في العديد من جامعات الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا. لكن ليس هناك نجاح تجاري أو جماهيري وهذا لا يعنيني أصلا. ما يهمني بشكل أساسي هو القارئ العربي والأصداء في لغتي ومحيطي الأصلي الذي أكتب له، وهو العالم العربي، ووصلتني ردود فعل مفرحة تثلج القلب.

 لديك اهتمام لافت بالذاكرة العراقية الجمعية التي تعود أحيانا إلى صور من عقود سابقة، فهل يندرج اهتمامك في توثيق الذاكرة؟ وهل يمكن القول إنه حنين لزمن منشود أم تحريض للبحث عن سبل لاستعادة التعايش والأمجاد؟

الذاكرة الجمعية مهمة في أي مجتمع، وتصبح أكثر أهمية في مجتمعات مرّت بتجارب صعبة ودكتاتورية وحروب وغزو واحتلال وخراب. وليم فوكنر قال ذات مرة "الماضي لا يموت أبدا". الماضي يتعايش مع الحاضر ويحترب معه دائما، على مستوى فردي وجمعي. الأمر ليس توثيقا بالنسبة لي وإن كان الأدب يحفظ الذاكرة بكل تأكيد. هناك أشباح وأطياف تعاودني وحكايات تؤرقني ورغبة الكتابة تدفعني نحو محاولة اقتناص ما يمكن اقتناصه. ليس حنينا ولا استعادة لأي مجد لم يكن أساسا، وإنما هو استعادة أصوات وصور وأماكن اندثرت أو همشت.

 وكيف ترى دور الأدب والرواية في العراق اليوم، لا سيما في ظل التناحر المتفاقم والحرب المتجددة؟

لقد أثبتت الثورات العربية ومواقف "كبار" المثقفين منها ومن الأنظمة الاستبدادية التي سرقتها، أنه يجب أن لا نعول كثيرا على هؤلاء المثقفين أو أن نضخم مدى تأثيرهم

العراقي والعراقية يحاولان البقاء على قيد الحياة في وطن تقطعت أطرافه وصار جحيما جمعيا. والحقل الثقافي هو الآخر في بعده المؤسساتي ساحة لكثير من الفساد تنعكس فيها كوارث البلد وتخبطه. لكن العراقيين يبدعون ويكتبون ويروون حياتهم وأحلامهم وكوابيسهم. الأدب أنيس في الجحيم الأرضي.

 هل يمكن توصيف المثقف العراقي بأنه الحلقة الأضعف، وأنه غير قادر على تحقيق تأثير أو تغيير في واقع كارثي كالذي يعانيه بلده؟

أعتقد أن توقعاتنا من "المثقف" بصورته التقليدية غير واقعية، ولقد أثبتت الثورات العربية ومواقف "كبار" المثقفين منها ومن الأنظمة الاستبدادية التي سرقتها أنه يجب أن لا نعول كثيرا على هؤلاء المثقفين أو أن نضخم مدى تأثيرهم. المواطن العادي هو الذي غيّر ويغيّر المجتمع، إن وجد إلى ذلك سبيلا، وفي حال تهيأت ظروف تاريخية مواتية.

وعلى المثقف، في صورته المثالية، أن يكون ناقدا للسلطة السياسية والاجتماعية وصوتا ينادي بالحرية، وهناك من يقوم بهذا بشجاعة. لكن هناك من يدخل حظيرة هذا الحزب أو تلك المليشيا أو النظام الحاكم ويعزف طبقا للمنهاج الرسمي، وهم الأغلبية.

 هيمنت أجواء الحرب وتداعياتها وتأثيراتها بطريقة أو أخرى على عمليك "وحدها شجرة الرمان" و"يا مريم"، فما الجديد المرتقب لك في عملك القادم؟

لقد عاش العراق حروبا مستمرة منذ عام 1980 ولا زال يعيش إلى اليوم تداعيات الحروب، بل إن حربا جديدة مع تنظيم الدولة تدور على أراضيه. أذكر هذا لأن البعض يستكثر أن نكتب عن الحروب وكأنها في عداد الماضي. العمل الذي سأنتهي منه في شهرين هو رواية كنت قد بدأت بوضع معالمها عام 2003 ولكنني تركتها مؤقتا بعد انشغالي بفكرة "وحدها شجرة الرمان" وكتابتها وبعدها "يا مريم". والشخصية المحورية في الرواية الجديدة هي رجل مهووس بفكرة تدوين تاريخ دقيقة واحدة من الحرب وما تقتله من بشر وحجر وحيوان ونبات.

المصدر : الجزيرة