هيثم حسين

يرمز الإيراني جعفر مدرس صادقي في روايته "المستنقع" إلى بؤس الواقع المعيش وتجاوزه لحدود الركود، بحيث إن نهر الحياة يتبدى مجففا، ويتحول إلى مستنقع كدلالة على إفراغ الأشياء والأمور من معانيها، وإضفاء السواد والقتامة عليها، وإخضاعها لقوى تتسلط عليها وتبقيها رهن رغباتها ونوازعها.

ويستعين صادقي بعالم الأحلام لينقل هواجس بطله اللامسمى ووساوسه المتعاظمة من أمسه وحاضره، تلك التي تجتاحه وتبقيه مستلب الإرادة مرعوبا تائها في بحر الواقع، منتقلا من مكان إلى آخر، باحثا عن بعض الهدوء المحلوم به، إلا أنه يواجه كل مرة بصدمات متعاقبة تزيده بؤسا واغترابا.

مآلات ومصائر
يلجأ صادقي في روايته -التي نشرتها دار الجمل بترجمة غسان حمدان (2015)- لتشريح ذهنية عينات من المجتمع في أكثر من مدينة في إيران (أصفهان وطهران)، للوقوف على مراكز الاعتلال والاختلال الجلية فيها، ثم استعراض مآلاتها ومصائر أناسها. ولا يكون التعاطي بشكل مباشر صادم، بل يكون عبر النبش في أعماق الأحلام ودواخل الحالمين، عسى أن يساهم ذلك في الاستنفار لوضع حدود لما يُقترف بحق الأفراد والمجتمعات.

يلجأ صادقي في روايته إلى تشريح ذهنية عينات من المجتمع في أكثر من مدينة في إيران (أصفهان وطهران)، للوقوف على مراكز الاعتلال والاختلال الجلية فيها

يحاول بطل الرواية ترويض الأحلام لتتوافق مع واقعه، لكنه يصطدم بالعلاقات القائمة بين الذاكرة والحلم والذكريات والواقع، فيسوح بخيالاته في أروقة الماضي ويغوص في ثناياها في رحلته نحو دواخله المنكوبة، ويغدو ذلك ملاذه الذي يحميه بشكل مؤقت من الضياع ويعيده إلى الأحلام ويبقيه نزيلها وأسيرها.

يسند صادقي السرد إلى راوٍ عليم يسرد مأساته في فصول قصيرة تكون عبارة عن مشهديات يتداخل فيها الواقع والخيال، ويتقاطع الحلم بالأسطورة، وتتداخل الأزمنة بين الطفولة والشباب، ويجد نفسه غارقا بين أحزانه، غريبا وسط مدينته، ساعيا إلى الهرب منها والابتعاد عنها، لأنه يشعر بثقل الزمن عليه فيها، وتغير الناس وانكبابهم على الانتفاع والارتزاق والانتهازية، وعدم التحرج من اللجوء إلى السبل الشائنة لتحقيق مكتسبات آنية.

وتكون والدة الراوي وجه المرأة المتسلطة التي تغتمّ لكل تصرفات زوجها الذي يكون خياط البلدة، وتكرر أنها تخشى على سمعته، وهي في ذلك تعبّر عن فوقيتها في تعاطيها معه ومحاولتها فرض نمط معيشتها عليه، وكانت تضع أحاديث الناس وأقاويلهم المحتملة أو المفترضة عنه ستارا لتقييده، وهي بذلك تعكس وجها تسلطيا يفتقر إلى الوعي بالفروقات الفردية، وزعم إيلاء الآخرين الاهتمام في حين أن التركيز يكون على الأنانية التي تنطلق منها.

يُظهر الروائي أن نظرة الازدراء المعممة هي التي تحول نهر الحياة إلى مستنقع آسن، ولا تكتفي بتحويل نهر القرية الذي كان في السابق مشهورا بغزارته وحيويته إلى نهر موحش كئيب

ينتقل الراوي من أصفهان إلى طهران، يشعر بأن هموما تنزاح عن صدره وكاهله حين يغير مدينته، ويتخلص من قيود العادات والناس فيها، يدخل بين مجتمع غريب لا يعرفه أحد فيه، يستمتع بكونه نكرة، يمارس نوعا من الحرية في التنقل والتسكع والعيش، يقيم مع صديقين له (حميد وخشايار) في غرفة بائسة، ويسلط من خلال ذلك الضوء على حياة بعض الشعراء في طهران وضياعهم بين تصويرهم الحياة في قصائدهم وواقعهم المزري.

ويحاول بطل الرواية استقصاء تفاصيل من ماضيه، يربط بين أجزاء منفصلة من الحكايات والأحلام، يقترن بابنة عمته التي توهمه بحبها له وهو الذي يفتقر إلى الحب والحنان، ويحلم بامرأة تحتضنه وتوفر له ملاذا آمنا، لكنه يصاب بخيبة أمل كبرى إذ يكتشف أن حبها له تحايل وتمثيل، وأن الدكان الذي ورثه عن أبيه أصبح في يد والد زوجته وأخيها، ويُراد منه تطليقها لأنه لا يقوم بواجباته الزوجية إزاءها.

ويظهر الروائي أن نظرة الازدراء المعممة هي التي تحول نهر الحياة إلى مستنقع آسن، ولا تكتفي بتحويل نهر القرية الذي كان في السابق مشهورا بغزارته وحيويته إلى نهر موحش كئيب، وكيف أن التنزه على ضفتيه يفقد الجذابية، ويتحول شيئا فشيئا إلى فخاخ للغرباء وأهل القرية معا.

بين الذاكرة والنسيان
يلفت صادقي الانتباه إلى التنكيل بالمثقفين والمتميزين في بلد لا يعترف بكفاءاتهم وإمكانياتهم، وذلك من خلال أكثر من شخصية وحكاية.

فالراوي الذي يستهل بتذكر ماضيه حين كان يرافق والده إلى النهر للسباحة، وكان أستاذه المميز "غُلتشين" أيضا هناك، وكان يحذّر والد الراوي من الابتعاد بسباحته في النهر لأن هناك دوامات تلتهم الناس. ويحكي كيف كان يتم النظر إلى الذاهبين إلى السباحة وكأنهم يقترفون آثاما أو يتجاوزون الأعراف والعادات التي أصبحت بمثابة قيود على الناس.

خطاب الرواية غير المباشر يتجلى في صيغة نقد الحاضر بطريقة تحول الأحلام إلى كوابيس، وغرق الشخصيات التي كانت تجمّل حياة الراوي في النهر أو رحيلها المبكر من حياته

الدوامات التي يستذكرها الراوي في أكثر من سياق، كترميز إلى ما يتربص بالمرء الذي يسبح بعيدا محاولا اكتشاف أسرار نهر "زاينده" وخباياه، ليكون الالتهام والإغراق له بالمرصاد، تكون بدورها معبرة عن حالة تعطيل الحلم وتبديد الطاقة وتحجيم المساعي والالتزام بالتعليمات المفروضة من السلطات المتحكمة بزمام الأمور.

ويبرز صادقي كيف أن كل ما يحيط بالمرء يتحول بصيغة من الصيغ إلى وسيلة استنقاع وتشويه، وواقع أن الإنسان يحمل في داخله فردوسه وجحيمه معا، وأن أوهامه لن تنقذه من حالة التخبط التي تتلبسه، بحيث إن عليه النضال من أجل إثبات الجدارة بالحياة وتحدي ما يحاولون النيل منه واستلاب إنسانيته وأحلامه وماضيه، وينتزعون منه جماليات الذاكرة ليؤثثوا ذاكرة بديلة.

يتجلى خطاب الرواية غير المباشر في صيغة نقد الحاضر بطريقة تحول الأحلام إلى كوابيس، وغرق الشخصيات التي كانت تجمّل حياة الراوي في النهر أو رحيلها المبكر من حياته، بحيث يجد نفسه وحيدا في مواجهة قوى جبارة تستنزف طاقاته وتزيد كآبته ووحشته واغترابه، وكيف أن المحيطين به انتبهوا إليه بعد موت والده الذي شكل مدخلا للتحايل عليه واستغلاله.

ويسرد صادقي روايته في فصول قصيرة بلغة مكثفة تتوافق مع حالة الشخصية العالقة بين الحلم والواقع، بين الحياة والموت، بين الذاكرة والنسيان، مؤكدا على مسألة الاشتغال على تفتيت الخريطة الاجتماعية عبر بث الانتهازية والمحسوبيات بين الناس، بحيث إن روابط القرابة والصداقة تفقد معانيها وقوتها، وتتحول إلى شراك للإيقاع بالآخرين واستغلال حاجتهم أو تحويلهم إلى سلم للتسلق على ظهورهم، دون الاهتمام بالمشاعر أو المبادئ والأخلاقيات.

المصدر : الجزيرة