إبراهيم صموئيل*

إذا كانت النصوص المسرحية تُكتب عادة بهدف عرضها في صالة، فإن أعمال سعد الله ونوس (1941-1997) الأخيرة منها على الخصوص، لها امتياز الجدارتين معا: أن تُقرأ كروايات وقصص، وأن يجري تمثيلها على خشبة وتُشاهد كعرض مسرحي مثل أي عرض آخر.

المتخصصون في المسرح من نقاد ودارسين كثيرا ما يعودون إلى النصوص المكتوبة، يقرؤونها، ويتوقفون مع موضوعها، وشخصياتها، وتنامي أحداثها، ورصد مواقع التقاطع ونقاط الالتقاء، وتوزع المشاهد والفصول.. وما إلى ذلك.

أما نظارة المسرح،فتعنيهم الفرجة على الخشبة أولا, يعنيهم الممثلون من لحم ودم، أصوات حية، حركة أجساد, وتعابير وجوه، وانفعالات, وردود أفعال عبر الحركة، فضلا عن الإضاءة والملابس والموسيقى، أي أنهم يرنون إلى المشاهدة, إلى رؤية حياة مصغرة فوق خشبة وقد نُقلت من الخارج الفسيح وأعيد بناؤها وتوزيعها داخل صالة.

عبقرية ونوس
من النادر لدى عموم النظارة وجمهور المسرح مطالعة نصوص الأعمال المسرحية, سواء قبل مشاهدة العرض أو بعده. فالمسرح يعني الذهاب إلى الصالة والفرجة على ما يجري فوق خشبتها، كما الحال إزاء الذهاب إلى صالة السينما ومشاهدة فيلمها على الشاشة.

حين كتب ونوس أعماله الأولى فإن ثمة مشروعا كان يهدف إليه وهو إقامة فرقة المسرح التجريبي، وفعلا عمل على إشادته يدا بيد مع صديقه وتوأم مشروعه المخرج فواز الساجر، وقد أبدعا فيما قدماه

ما يميز أعمال سعد الله ونوس المسرحية -فضلا عن المتعة في مشاهدة عروضها- أنها تُقرأ أيضا.. تُقرأ كقصص وروايات, ولكن باختلاف شكل السرد فيها. وإذ يختلف الشكل، فإنما يقدم معمارا حكائيا عبر حوارات وأفعال مكتنزة بالدلالة والمعنى, وعلى الأخص بالجاذبية التي يصعب الإفلات منها قبل الصفحة الأخيرة من النص.

إبداع ونوس ومأثرته أنه استطاع تحويل الأوراق بين دفتي كتاب إلى خشبات صغيرة، يقلبها القراء خشبة بعد خشبة، فتتحقق لهم الفرجة بالمقروء، تماما كما تتمكن بعض النصوص الروائية والقصصية -وبموهبة السارد لها- من جعل القارئ يرى ويشاهد ما يقرؤه.

وأحسبُ أن الحكاية أو "الحدوتة" هي العمود الفقري، والخلفية الرئيسية والأساس العريض الذي يقوم عليه حوار النص المسرحي، حتى كأن ونوس يُمسرح حكاية أو رواية بأكثر مما يُلبس الحوار ثوبا حكائيا، وهو بهذا يمنح متعة لا تتوفر على الدوام لقارئ النصوص المسرحية.

من ناحية أخرى, حين كتب ونوس أعماله الأولى فإن ثمة مشروعا كان يهدف إليه وهو إقامة "فرقة المسرح التجريبي"، وفعلا عمل على إشادته يدا بيد مع صديقه وتوأم مشروعه المخرج فواز الساجر (1948-1988)، وقد أبدعا فيما قدماه آنذاك من عروض, غير أن رحيل صديقه وشريكه فواز خلف لدى ونوس شعورا بأن "موته أشبه بالخيانة"!!

وفي الواقع، فإن تشبيه الرحيل "بالخيانة" لم يكن من قبيل التعبير الانفعالي عن عمق الصداقة الشخصية بينهما، بقدر ما كان انعكاسا لمشاعر القلق الكبير لدى ونوس, وتساؤلا واقعيا على مسار ومصير المشروع المسرحي الضخم الذي تنكبا -معا متلازمين- مهمة القيام به وإنجازه.

قوة الكتابة
ويمكن لكل من اطلع على تجربة هذين المبدعين أن يلحظ بوضوح كيف أن ونوس لطالما وجد في فواز الساجر نصفه المسرحي إخراجا، كما وجد الساجر في سعد الله ونوس نصفه المسرحي تأليفا, وهو ما يدلل على مصداقية القلق وحجمه جراء غياب أحد طرفي المعادلة المسرحية إبداعيا.

جمهور المسرح في سوريا لم يكن ليميز بين المؤلف والمخرج، إذ يمكن لمن يحضر عرضا أن يقول: شاهدت مسرحية لفواز الساجر, أو يقول: شاهدت عرضا لسعد الله ونوس, على حد سواء

ومما يشير إلى التلازم الفني والارتباط الصميم بين عمليهما أن جمهور المسرح في سوريا لم يكن ليميز بين المؤلف والمخرج، إذ يمكن لمن يحضر عرضا أن يقول: شاهدت مسرحية لفواز الساجر, أو يقول: شاهدت عرضا لسعد الله ونوس, على حد سواء.

ومن دون أية مغالاة, يمكنني التأكيد أن النصوص المسرحية لسعد الله ونوس المكتوبة في السنوات الخمس الأخيرة من حياته مثل "طقوس الإشارات والتحولات" و"منمنمات تاريخية"، يمكن ضمها إلى تلك الفئة من النصوص المسرحية التي يُخشى عليها من النقل إلى خشبة المسرح, تماما كالخشية من نقل بعض نصوص الأعمال الروائية الكبرى إلى الشاشة الكبيرة.

وهي خشية تكمن أسبابها -في اعتقادي- في جمال النص المكتوب, وفي قوة تعبير الحوار وكثافته، والدلالات التي تشع من مفرداته، وكذا في تجسد الشخصية الذي يتخلق من نثر الحوارات, ردا بعد قول، وجوابا إثر سؤال، وكل هذا وغيره هو ما قد يثير توجسات لدى مَن يقرأ النصوص على مدى إمكانية النجاح في تقديمها على خشبة المسرح.

وفيما قلته سابقا لا أعني -بحال من الأحوال- أن مسرحيات ونوس ذهنية كُتبت لتُقرأ فقط, بل لتُعرض على خشبات المسارح من دون أدنى شك, خاصة بسبب اكتنازها بما هو حي وواقعي وعملي من حيواتنا وأحلامنا ومشاغلنا, وكذا من همومنا -التاريخية منها كما الحاضرة- المحمولة على شخصيات في تراثنا بالغة التماثل والتقاطع مع شخصيات واقعنا العربي الحديث, غير أن عرضها على يد مخرج يحتاج إلى عناية مشددة أكثر من المعتاد, من دون أدنى شك أيضا.
_______________
* كاتب وقاص سوري

المصدر : الجزيرة