الخير شوار-الجزائر

في مغامرته الروائية الأولى وبعد تجربة في كتابة ونشر القصة القصيرة يقتحم الجزائري عبد القادر ضيف الله فضاء الصحراء الممتد من خلال عمله السردي "تنزروفت.. بحثا عن الظل" الصادر عن "دار القدس العربي" بمدينة وهران الجزائرية.

و"تنزروفت" هي تلك الصحراء في العمق الجنوب الغربي الجزائرية التي تشبه "الربع الخالي" في شبه الجزيرة العربية، وتحافظ على أسطوريتها التي تخلو من أي مظاهر للحياة البشرية وحتى النباتية، وقيل إن من يموت فيها تبقى جثته "محفوظة" في غياب البكتيريا، وروي أن طيارا فرنسيا سقط هناك بطائرته سنة 1933، ولم يعثر عليه الدرك الفرنسي إلا قبيل استقلال الجزائر يوم 11 فبراير/شباط 1962 حيث كانت جثته كاملة كأنه هلك قبل مدة قصيرة.

هذه الصحراء التي بقيت لغزا مغلقا ولم تكتشف بعض أسرارها إلا في ثلاثينيات القرن العشرين على يد الفرنسي تيودور مونود، وقبلها بقيت زمنا طويلا يغذيها الغموض ونسج الناس حولها أساطير كثيرة تقترب تفاصيلها مما كتبه الليبي إبراهيم الكوني عن جانب آخر من الصحراء الكبرى، وما كتبه الروائي الجزائري الحبيب السايح في "تلك المحبة" و"تماسخت" وغيرها.

الهروب إلى المتاهة
يبدأ ضيف الله رحلة السرد مباشرة ودون مقدمات بلغة بسيطة ومتدفقة، وكأن البطل (واسمه بوتخيل الذي يحيل له ولي صالح ربما يكون اسمه في الأصل أبو الدخيل) في عجلة من أمره، ويحاول إلقاء هواجسه وذكرياته الحزينة على مرافقته الصحفية الإذاعية آسيا.

رغم "الهروب"
إلى صحراء تنزروفت فإن البطل لم يستطع الهروب من ذاكرته التي تعيده نحو الشمال، حيث تلك الفتنة الدموية التي كانت تعصف بالبلاد في تسعينيات القرن الماضي، إذ اختار كثيرون الهرب نحو الشمال الأوروبي

بالمقابل، لا يبدو أن الراوي على عجلة من أمره، إذ يعود إلى أدق التفاصيل، وبعبارة دارجة من العامية الجزائرية يبدأ بالقول "باش مانفوتكش بالحديث سيدتي" (حتى لا أفوتك في الحديث) التي يصرح بأنه "رضع لبنها من ثدي البرد الساكن في عظام مدينتي الملعونة من البائسين".

ورغم "الهروب" إلى صحراء تنزروفت فإن البطل لم يستطع الهروب من ذاكرته التي تعيده نحو الشمال، حيث تلك الفتنة الدموية التي كانت تعصف بالبلاد في تسعينيات القرن الماضي، إذ اختار كثيرون الهرب نحو الشمال الأوروبي وذهب آخرون -ومنهم بوتخيل- نحو الجنوب بحثا في عذرية الصحراء نحو خلاص فردي، وربما هذا هو ما جعل البطل يدقق في التفاصيل حتى يفرغ ذاكرته تماما ويحولها إلى صفحة بيضاء.

ويحاول السارد قتل الأحادية بإشراك رفيقة البطل (آسيا) لتتولى في بعض الأحيان دفة الحكي وتستعيد حكايتها التي جعلتها تهرب من مدن الشمال بحثا عن مجتمع خال من "العقدة الذكورية" فتتشابك الحكايات والمصائر، ونقرأ تفاصيل مراحل مختلفة من التاريخ الجزائري، انطلاقا من الثورة التحريرية وليس انتهاء عند الأزمة الدموية التسعينية التي دفعتهما دفعا نحو الهروب إلى متاهة كبرى.

هذا المصير يمكن تلخيصه في عبارة مقتطفة من النص الروائي جاء فيها "هنا تنزروفت، قف!  مركز الجحيم حيث تنتهي مباهج الدنيا وعظائمها ليبقى التراب والدود هو المصير خويا بوتخيل.. وهي نسخة رديئة مكرورة لمدينتنا التي شردتنا إلى هذه الصحارى..".

أدب الصحراء
ومن هنا يصبح العنوان الثاني لعمل الروائي مبررا (بحثا عن الظل)، ومثلما يبدأ السرد متدفقا ينتهي كذلك وبالعبارة نفسها "باش مانفوتكش بالحديث سيدتي"، وكأننا داخل دائرة مغلقة ندور حولها إلى ما لا نهاية.

تأتي رواية "تنزروفت.. بحثا عن الظل" إضافة لأدب الصحراء الذي ظل غائبا لمدة طويلة قبل أن يقتحمه بداية من تسعينيات القرن الماضي الروائي الحبيب السائح الذي كان بدوره هاربا من "جحيم الشمال"

تأتي رواية "تنزروفت.. بحثا عن الظل" إضافة لأدب الصحراء الذي ظل غائبا لمدة طويلة قبل أن يقتحمه بداية من تسعينيات القرن الماضي الروائي الحبيب السائح الذي كان بدوره هاربا من "جحيم الشمال" حينها، فقدم بداية من مطلع هذا القرن تفاصيل مثيرة عن المكان الصحراوي بروحه ومصطلحاته انطلاقا من "تلك المحبة" وليس انتهاء عند "تماسخت.. دم النسيان".

وبعد تلك التجارب التي كتبها أهل الشمال جاءت رواية "مملكة الزيواني" التي نشرها صديق حاج أحمد وهو ابن تلك المنطقة، وليس هذا إلا عينة من جهود سردية لا يمكن أن تحصر في أسماء محددة، لينطلق النقاش بعدها عن أدب الصحراء الجزائرية الذي بقي غائبا لمدة طويلة وكان حكرا على الأجانب الذين كتبوه بروح استشراقية وبنظرية تقترب كثيرا من الفكلورية.

المصدر : الجزيرة