إبراهيم الحجري

تخيّم على المنجز الشعري الجديد للشاعر المغربي نبيل منصر-الصادر عن دار فضاءات- أجواء سوداوية. ويبدو ذلك من أول صورة يطالعنا بها الغلاف، وهي للغراب الذي يحمل في أدبيات التراث العربي دلالة الشؤم والتطير مثله مثل البوم.

وبالعودة إلى المتن، يتعمق لدينا هذا النظر ويتعزز الطرح المفضي إلى كون الديوان الشعري يحمل بين طياته نغمة حزينة ونبرات شكوى وألم، ومشاعر التذمر مما يجري في العالم، خاصة لما يرتبط بمرثية القيم وذم الوضع الأخلاقي والثقافي وهيمنة معاجم النكوص ولغات الانهيار.

معجم جنائزي
يهيمن على معجم الديوان الشعري حقل الموت، سواء من خلال تكرر لفظة الموت ذاتها ومرادفاتها، أو من خلال تراكم مجموعة من المقولات التي تدخل في هذا الإطار أو تحيل عليه بشكل من الأشكال بواسطة قرائن دالة (الموت، والكفن، واللحد، والنعش، والدفن، والدمع، والبكاء، والجنائز، والقبر، والعظام، وجمجمة، ومناحات، والروح...).

القصيدة بالنسبة لمنصر كائن حي متحول ينمو ويتحول بتحول البنيات والأنساق المحيطة والخلفيات الثقافية المؤسسة للإبداع الإنساني والمساهمة فيه

والموت الذي يتجلى في المنجز الشعري هو موت متعدد لا يرتبط بما هو عضوي فيزيولوجي، بل يتجاوز ذلك إلى ما هو معنوي رمزي، ولعل الموت في بعده الثاني أشد مضاضة على الشاعر من الموت ذي البعد الأول، لأنه موت يستغرق الزمن والمكان، ويحصد القيم والرمزيات والاعتبارات المعنوية للبشر، ويجعل الإنسانية تتراجع شيئا فشيئا.

يقول الشاعر بصدد الموت "ما أعمق الموت في أرجاء كهذه، تغذي الحياة برؤوس وعول وأنصاف آلهة، يقترحها الشاعر، على خدام الحلم، تماثيل تحرس أبواب المدينة. في مساء الغريزة، صار المركب، بفعل كيمياء سرية، غابة ماء يعيث التمساح في أرجائها".

وتتمتع كل منجزات نبيل منصر الشعرية بحسها التجريبي، ذاك الذي ينحو بها منحى اختلافيا ويبتعد بها عن النمطية والتقليد.

وهذا يعني أن الشاعر يمارس بوعي نقدي أكاديمي خلخلة الثوابت في القصيدة العربية، ساعيا إلى حفر بصمته الخاصة في الكتابة الشعرية، انطلاقا من منظور مغاير يرى أن مقومات القصيدة متحركة ومتغيرة وحية لا تخضع لنظام ثبوتي حصري.

القصيدة بالنسبة لمنصر كائن حي متحول ينمو ويتحول بتحول البنيات والأنساق المحيطة والخلفيات الثقافية المؤسسة للإبداع الإنساني والمساهمة فيه.

نزوع صوفي

وجد الشاعر في التجربة الصوفية -على غرار جيله من الشعراء الحداثيين- ذاته التعبيرية، وألفى في ثناياها اللبوس الوجداني الذي يحتوي كوامنه ومستغلقات نفسه من الدوال والمعاني

ولذلك يعتبر الشاعر نبيل منصر من الأصوات المجددة في القصيدة المغربية، وهو من النقاد الداعين إلى التحرر من الصور التقديسية للنظم النقدية، والمصفقين للمد النثري والتجريبي الذي عرفته القصيدة العربية.

ومارس منصر هذه التصورات النقدية بعد أن دافع عنها من خلال أطروحته النقدية في تجربته الشعرية النثرية التي راكم فيها لحد الآن مجموعة من الدواوين.

وتعد المادة الصوفية التراثية بكل تشكيلاتها ونزوعاتها من المراجع الأساسية في بناء هذه التجربة وفي كل التجارب التي تؤسس لها الدواوين السابقة للشاعر.

لقد وجد الشاعر في التجربة الصوفية -على غرار جيله من الشعراء الحداثيين- ذاته التعبيرية، وألفى في ثناياها اللبوس الوجداني الذي يحتوي كوامنه ومستغلقات نفسه من الدوال والمعاني، حيث يعتبر ترهين التجربة الشعرية الصوفية في حد ذاته عيشا لها بصيغة المنطق الفني والتفاعل الروحي مع المكتوب من عوالم النصوص.

كما أن الديوان يحبل برموز شعرية وفلسفية، ومرجعيات تحضر بثقلها من خلال مؤشرات وأسام تحيل على اتجاهات أدبية وفكرية، فضلا عن موجهات مقولية أسطورية.

المصدر : الجزيرة