أحمد الأنباري-بغداد

لم يكن الفن التشكيلي بمنأى عن حالة عدم الاستقرار السياسي والأمني التي يعيشها العراق منذ سنوات طويلة، فقد انحسرت قاعاته بعد عام 2003 لعدة أسباب منها الأمني والمادي، الأمر الذي جعل أغلب هذه القاعات تغلق أبوابها فيما تعرضت أخرى إلى التدمير والتخريب.

وقد أثّر هذا الأمر بشكل سلبي على الفن التشكيلي، مما جعل مختصين في المجال يحمّلون الحكومة العراقية مسؤولية الاضمحلال الذي يعيشه هذا الفن.

ولجأ بعض الفنانين إلى عرض أعمالهم في الشوارع العامة مثل شارع المتنبي أو في الدوائر الحكومية والمدارس من أجل نشر أعمالهم الفنية، وهو أمر لقي ترحيبا من قبل البعض، في حين حذّر آخرون من استمرار غياب الدعم الحكومي الذي يؤدي بدوره إلى استمرار الفوضى في الفن التشكيلي وتراجعه.

 سبتي: إغلاق قاعات الفن التشكيلي تعود إلى ارتفاع أسعار أجورها الشهرية (الجزيرة)

أسباب عديدة
ويرى رئيس جمعية الفنانين التشكيلين العراقيين قاسم سبتي أن "انحسار قاعات الفن التشكيلي يعود لأسباب عديدة منها تردي الوضع الأمني وغياب الدعم الحكومي وهجرة الفنانين"، مؤكداً أن "القاعات قبل عام 2003 في بغداد كانت تعد عشرين لكن اليوم أصبحت قاعتين".

وأوضح -في تصريحاته للجزيرة نت- أن إغلاق قاعات الفن التشكيلي يعود إلى ارتفاع أسعار أجورها الشهرية، وعدم قدرة الفنان التشكيلي على دفعها، مما جعل عددا من الفنانين التشكيلي يلجؤون إلى  قاعات أخرى تكلفتها أقل جدا.

وأضاف سبتي أن "الفن التشكيلي يحتاج إلى دعم حكومي لإنقاذه من الواقع الحالي الذي يعيشه"، مضيفاً أن "عدم قدوم السائحين إلى البلاد أثر كثيرا على الفنان التشكيلي العراقي".

غياب الدعم
من جانبه، قال الفنان التشكيلي فاضل عبد الحكيم للجزيرة نت، إن "أسباب قلة قاعات الفن التشكيلي تكمن في غياب دعم وزارة الثقافة للفنان من الناحتين المادية والمعنوية"، مبينا أن وزارة الثقافة لم تفتح أي قاعة فنية إضافية بل اقتصرت على قاعاتها غير الصالحة.

 عبد الحكيم: قلة القاعات ساهم في ضعف مشاركة الأعمال الفنية (الجزيرة)

وأوضح أن "قاعات وزارة الثقافة سياسية أكثر مما هي اجتماعية، ولا تتفق مع فكر الفنان، من خلال الإجراءات المعقدة في دخول الزوار من تفتيش وطلب هوية وغيرها إضافة إلى أنها محاطة بكتل إسمنتية".

ويعتبر عبد الحكيم أن "الجمهور نفسه يتكرر في جميع المعارض التي تقام في وزارة الثقافة، مما يضطر الفنان إلى أن يلجأ إلى القاعات الخاصة التي انحسرت في الفترة الأخيرة بسبب غياب شراء اللوحات من قبل المؤسسات الحكومية والأهلية".

وأشار إلى أن "قلة القاعات ساهم في ضعف مشاركة الأعمال الفنية، الأمر الذي انعكس سلبا على الفنان في الانفتاح على العالم الخارجي وتمثيل العراق في المحافل الدولية".

مقارنة بالماضي
من جهته، قال الناقد التشكيلي والأكاديمي جواد الزيدي، للجزيرة نت، إنه "بالرغم من الحصار الاقتصادي في تسعينيات القرن الماضي فقد كان عدد قاعات الفن التشكيلي بحدود أربعين قاعة، مما جعلنا نشعر بالأمل، وعودة الحياة الفنية إلى شارع أبي نواس وافتتاح القاعات التشكيلية فيه".

 الزيدي: غياب القاعات يؤثر على ديمومة الفن وتطوره (الجزيرة)

وأضاف أن "الاهتمام بالفن التشكيلي في تلك الفترة ساهم في انتشاره ومكّن الفنانين من الاستفادة ماديا، من خلال مبيعات اللوحات، وتسويق أعمالهم من خلال البعثات الدبلوماسية والسائحين".

ولفت إلى أنه "بعد عام 2003 هاجر أغلب الفنانين الذين يمتلكون قاعات فنية بسبب ارتفاع دوامة العنف والخوف على حياتهم، وتسلط الخطاب الديني على الساحة الثقافية مما أصبحت عملية الفن ورعايته مضمحلة ومختفية من فلسفة الدولة".

وأكد أنه "توجد حاليا في بغداد قاعات لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة، بينما اختفت القاعات في جميع المحافظات الأخرى، إضافة إلى أن مشروع القاعات الخاصة ذاتي، وقد يضطر أصحاب هذه القاعات إلى إغلاقها إذا لم توفر عائدات.

وأشار إلى أن "غياب القاعات يؤثر على ديمومة الفن وتطوره والأجيال القادمة، لذلك يتطلب من الجميع الاهتمام بالفن التشكيلي ودعمه وتقديمه للناس بطريقة تليق به، فالفن يمثل حياة الأمم وازدهارها".

يذكر أن من أبرز القاعات التي أغلقت أبوابها بعد 2003 قاعة بغداد للفنانة سميرة عبد الوهاب وقاعة عبلة وقاعة الأورفلي للفنانة الرائدة وداد الأورفلي وقاعات أخرى.

المصدر : الجزيرة