بعد أن أمضى أحمد جابر سنوات في العمل في الهندسة الهيدرولوجية، صار اليوم "مهندساً" يرسم بريشته لوحات فنية تتغنى بطبيعة مملكة المغرب وجمال مدنها وشخوصها.

أحمد جابر (59 عاما) العراقي الذي جاء به القدر إلى المغرب، على كرسيه، درس الهندسة في جامعة بغداد، وحصل على درجة الدكتوراه، لم يكن يعرف ما تخفيه له أيام العمر، إذ قضى سنين متنقلاً بين بلدان مجاورة وأخرى بعيدة، مروراً بالجزائر، إلى أن استقر به المقام في الدار البيضاء العاصمة الاقتصادية للمغرب قبل ما يزيد على أربعين سنة.

ومع طول الإقامة، صارت لكنة جابر العراقية ممزوجة بعشرات المصطلحات من اللهجة المغربية الدارجة، وبرع في رسم مناظر المغرب في لوحات تشكيلية جميلة، تسر المارين قرب معرضه وسط الدار البيضاء (على بعد حوالي 90 كلم جنوب العاصمة الرباط) حيث تظهر اللوحات المعلقة بشكل غير منتظم أشبه بلوحة لا متناهية من الفن التشكيلي التجريدي.

ومنذ وطأت قدماه أرض المملكة، عمل المهندس العراقي في عدة مؤسسات خاصة، ولفترة عمل مستشارا بالمكتب الوطني للماء الصالح للشرب، وبعدها تقاعد وارتأى أن يبدأ هواية الرسم والفن التشكيلي، وبالفعل حقق حلمه بالتعاون مع مغاربة يشاركونه الهواية نفسها.

أحمد جابر يعرض لوحات تتعاطى جلها مع مواضيع الطبيعة والشخوص والثقافة المغربية(الأناضول)
العلاقة بالمغرب
لكن علاقة العراقي جابر بالمغرب لم تبدأ عام 1974، بل منذ سنوات التعليم الأولى بالعراق، حيث يتذكر أنه هو وجيله كانوا يعرفون المغرب باسم مراكش (مدينة وسط البلاد) وليس المغرب، وكانوا يقرؤون معلومات أولوية بالمقررات الدراسية حول عدد من البلدان بمنطقة شمال أفريقيا، مثل مصر وتونس والجزائر والمغرب.

وإلى جانب تخصصه بالهندسة الهيدرولوجية، كان جابر يحمل معه هواية طالما أجلها إلى حين، واليوم يعتبر نفسه فناناً ولم يعد مهندسا، ومن ثم فتح المعرض لبيع اللوحات التشكيلية، وهو يتعاون مع تسعة فنانين تشكيليين يرسمون اللوحات التي يبيعها للزبائن.

ورغم أن مبيعات اللوحات تتراوح بين عشرة و15 لوحة شهريا، فإن جابر يعتبر الفترة الحالية أفضل من ذي قبل، إذ يراهن هو وزملاؤه على رسم لوحات تلقى إقبالاً، واتفقوا على جعل الأسعار في متناول الراغبين، لتشجيعهم على اقتناء اللوحات، وتحفيز الفنان على رسم لوحات أخرى، عكس ما إذا كان الثمن غالياً، حيث ستبقى اللوحة مدة طويلة معلقة في المعرض.

ويعرض جابر لوحات من النوع المتوسط والكبير، تتعاطى جلها مع مواضيع الطبيعة والشخوص والثقافة المغربية، مثلاً فن أحواش (أحد أنواع الرقص الشعبي الأمازيغي بالمغرب) إضافة إلى اللوحات التي تستلهم مواضيعها من القصبات التاريخية بمدن الجنوب الشرقي, والقصبات هي المنازل العتيقة تتميز بها بعض المدن السياحية بالمغرب، وهي مبنية بالطين، وتكون على شكل منازل يحيط بها سور.

ورغم ما لقيه من ترحاب من أصدقائه المغاربة بالدار البيضاء وتعلقه بالمغرب، فإن جابر يحاول جاهداً أن يعوض البعد عن بلده الأم، ولا يخفي حنينه إلى العراق، قائلاً "أتمنى أن تكون الظروف مواتية مستقبلاً لكي أتمكن من زيارة العراق، وأستعيد ذكرياتي، رغم أن أسرتي في المغرب، ينتابني كثيرا شعور بالحنين الجارف إلى بلدي".

المصدر : وكالة الأناضول