أشرف رشيد-موسكو

أثار الفيلم الروسي الجديد "ليفيافان" (الطاغوت) للمخرج أندريه زفاغيتسيف، الذي يتناول صراع المواطن العادي مع السلطة الجائرة، جدلا واسعا في الأوساط الثقافية والسياسية.

وقوبل الفيلم بإشادة غربية وانتقادات روسية، كما قسم المشاهد بين من يرى أن الفيلم يضع يده على الجرح وإن كان يتحدث عن الحقبة السوفياتية، وآخرين يبالغون في تشويه الحقيقة. وكان "ليفيافان" عرض لأول مرة في مايو/أيار 2014، ونال جوائز مرموقة بمهرجانات كان ولندن وميونيخ وباليتس (صربيا) وغيرها.

قصة مأساوية
وتدور الأحداث بإحدى بلدات الشمال الروسي على ساحل بحر بارنتس، وتحكي قصة رجل لا يملك من القوة ما يكفي للتصدي للمنظومة الحكومية المتسلطة، وقد بدأت المشكلة عندما قرر عمدة  المدينة المرتشي والفاسد الاستيلاء بأي ثمن على قطعة أرض أقيم عليها منزل نيكولاي لإقامة مجمع تجاري عليه.

وبدا عجز هذا المواطن البسيط في مواجهة السلطة التي تتحكم بالقضاء والنيابة والشرطة وفي كل مكان، وفي خضم هذه المحنة وجد نيكولاي نفسه وحيدا، فأصدقاؤه تخلوا عنه وزوجته "اللعوب" بدأت تبحث عن سعادتها مع غيره وانتهى الأمر باتهامه ظلما بقتلها.

 لومكين: "ليفيافان" يبالغ في الإساءة لروسيا وشعبها (الجزيرة)

وفي هذه الظروف القاسية، لجأ نيكولاي إلى الكنيسة، ليتبين أنها هي الأخرى جزء من المؤامرة، ولتأتي المحصلة المأساوية بسجن الأب نيكولاي وموت الزوجة ليليا بظروف غامضة وتشرد الابن الصغير رومان وهدم البيت والاستيلاء على الأرض.

تباين الآراء
الفيلم لقي استحسانا كبيرا لدى الغرب، فقد انتهى عرضه بتصفيق حار اهتزت له قاعات مهرجان كان. وقررت لجنة التحكيم منحه جائزة أفضل سيناريو، كما نال جائزة أفضل فيلم بمهرجان لندن السينمائي. وكان بين الأفلام المرشحة لنيل جائزة أوسكار للأفلام الأجنبية، لكن الجائزة ذهبت لفيلم "إيدا البولندي" ووصفت صحيفة غارديان البريطانية الفيلم بأنه "تحفة جديدة" أنتجتها السينما الروسية.

الاستحسان الغربي قوبل باستياء روسي، وعلق وزير الثقافة الروسي، فلاديمير ميدينسكي، أن "الفيلم لن يفقد شيئا إذا حُذف منه الكم الكبير من السباب والألفاظ البذيئة".

أما رئيس الحزب الليبرالي الديمقراطي الروسي فلاديمير جيرينوفسكي، فقد اعتبر أن "الفيلم مثير للاشمئزاز". وتساءل: كيف لنا أن نسوق الوجه الإيجابي لروسيا بوجود فيلم مثل "ليفيافان"؟. وأضاف أن أكثر ما يميزه هو الفودكا (نوع من الخمر) والسباب البذيء. وخلص "هل تنقصنا السفاهات على شاشات التلفاز حتى نعززها بأفلام من هذا القبيل؟".  

الفيلم ترك انطباعات أغلبها سلبية لدى المواطنين الروس، بخلاف نتاليا أغوستوفسكايا التي علقت بعد مشاهدتها للفيلم قائلة: إن الخمر والشتائم والفساد والشجارات العائلية والانحلال للأسف جزء لا يتجزأ من واقعنا، الفيلم يستحق التشجيع على جرأته وتقديمه للحقيقة، ومن ينتقدون الفيلم إما أنهم من المحظوظين أو ممن يرفضون الاعتراف بالحقيقة.

هدية مجانية
ويقول الأديب الروسي سيرغي لومكين إن "ليفيافان" أُنتج بأيد روسية لأهداف دعائية مضادة لروسيا، وتابع أن الفيلم في مجمله يظهر أن المنظومة الحكومية "فاسدة بالكامل" والمواطنين "هم مجموعة من الحمقى والأوغاد" والكنيسة "تتستر بستار الدين" وهذا "غير مقبول".

وأضاف أنه لا يستبعد تمويل الفيلم من الخارج، وعلى الأرجح أن دُور السينما بأوروبا وأميركا تتلقفه. وفيما يتعلق بالجوائز التي حصل عليها الفيلم، اعتبر لومكين أن الفيلم لا يستحق كل هذا الصخب، فهو لا يحمل أية خصوصية سوى أنه يشوه سمعة روسيا، وما حصل عليه الفيلم من قبول في الغرب يعود لهذه الأسباب تحديدا، فهو "هدية مجانية لمن يرغبون بالمساس بروسيا".

 حبة: "ليفيافان" متميز في طرحه وجرأته  (الجزيرة)

أما الأكاديمي والناقد الفني عبد الله حبة، فقد اعتبر أن الفيلم متميز في طرحه وجرأته، وقد استحق عشرات الجوائز بمهرجانات السينما التي كان آخرها الأقصر بمصر.

وأضاف أن الفيلم من الناحية التقنية والفنية يستحق الثناء عليه لا سيما تصوير المشاهد التي كانت أشبه ما تكون بلوحات فنية رائعة، إلى جانب الإخراج والأداء التمثيلي والموسيقى التصويرية. 

رفض واحتجاج
وقال حبة إن المخرج أراد من خلال الفيلم تصوير الواقع القاتم بالاتحاد السوفياتي، وحالة الخصام ما بين السلطة والمواطن، وكيف أن البطل اتخذ قرارا خاطئا بالتصدي للسلطة وكانت نهايته مأساوية بفقدانه لكل شيء وتحوله إلى سكير. ولفت إلى أن مشاهدة الفيلم تترك انطباعا ثقيلا وحزينا في النفس. 

وأضاف أن الفيلم لم يُعرض في روسيا لعام كامل بسبب "الألفاظ النابية والبذيئة" التي ترددت طوال الفيلم، وهذا مخالف للقوانين الروسية، مما تطلب إعادة إنتاج نسخة معدلة للنص، وقد بدأت دور السينما الروسية بعرضه مؤخرا.

وأوضح الأكاديمي والناقد الفني أن الفيلم قوبل باحتجاجات من الكنيسة الأرثوذكسية الروسية لأنه يصور القساوسة بصورة غير لائقة، ومن المجتمع المدني لأنه يصور واقع الحياة في روسيا مقتصرا على الخمر والألفاظ القبيحة والشجار المنزلي والخيانة الزوجية والرشى، مع تجاهل الجوانب الإيجابية، وهي كثيرة.

المصدر : الجزيرة