طارق عبد الواحد-ديترويت


"لقد توقفت عن صيد الغزلان. لقد استسلمت. أظن أن صيد المسلمين سيكون أسهل في جميع الأحوال"، كتب أميركي يدعى كريس كوسبي على صفحته على موقع فيسبوك في سياق الجدل المتجدد في الولايات المتحدة بشأن العنف والكراهية والتمييز. وأضاف معلقا "أتساءل هل لديهم (للمسلمين) مذاق لحم الخنزير؟".

يقود هذا المنشور مباشرة إلى فيلم "قناص أميركي" الذي تعرضه صالات السينما الأميركية هذا الموسم، والذي يستقطب جمهورا عريضا ومتزايدا من عشاق الشاشة الكبيرة، على الرغم مما يثار حوله من نقاشات محمومة وتساؤلات غاضبة تنتقد تدفق الرسائل الهوليودية العنيفة والاستفزازية.

في أستوديوهات هوليود العملاقة، المحكومة بأدبيات وفلسفات براغماتية من الصعب تجاهلها أو المجازفة بها، لا يضيّع خبراء وقراء سيناريوهات الأفلام المقدمة إلى أستديوهات شركات الإنتاج العملاقة أوقاتهم وجهودهم في قراءة كامل المشاريع المقدمة، وإنما يبحثون عن كلمة السر في الصفحات السبع الأولى من المشاريع المقدمة (أو في الدقائق السبع الأولى من الفيلم المحتمل إنتاجه).

مخرج فيلم "أميركان سنايبر" كلينت إيستوود (أسوشيتد برس)

اصطياد الجمهور
وكلمة السر هذه تسمى في التقاليد الهوليودية "الكُلّاب" التي في حال عدم توفرها، أو عدم صلاحيتها، سيرمى بأي سيناريو في سلة المهملات، دون إكمال قراءته، فالكلّاب هو الذي سيمسك بالمتفرجين من "أمعائهم" لتبدأ بعد ذلك إذابتهم في بوتقة البطل، وهو الذي سيقوم -بمساعدة ظلمة الصالة تقليديا، وبتقنيات التصوير الثلاثية الأبعاد مؤخرا- بإلغاء المسافة بين البطل والجمهور الذي توقف عن أكل الفشار.

في فيلم "قناص أميركي" يختار المخرج الطاعن في السن كلينت إيستوود (والطاعن في السينما وفي هوليود أيضا) كُلّابا مثيرا وصادما. وتماما في تلك اللحظة التي يصوب فيها جندي القوات الخاصة في البحرية الأميركية كريس كايل (الممثل برادلي كوبر) قناصته إلى طفل عراقي بجانب أمه، متأهبا لإردائه ميتا في حال مهاجمته القوات العسكرية الأميركية التي تمشط منطقة عراقية.

هنا يبدأ المأزق الأخلاقي لدى البطل (والمتفرجين)، والتساؤل الإنكاري بشأن مدى استعداد الجندي لقنص طفل وقتله، وهو ما يمثّل حساسية عميقة في الثقافة الأميركية. وفي ذروة انحباس الأنفاس يحدث القطع لإعداد جواب مقنع. فيعود كريس كايل بالذاكرة إلى طفولته، وتحديدا إلى تلك اللقطة التي يظهر فيها مع والده وهما يقومان برحلة لصيد الغزلان.

والجواب على هذا التساؤل/المأزق يكمن في بقية مشاهد الفيلم الذي يروي سيرة الجندي كريس كايل، كما أنه يوجد في منشور المتصفح الأميركي كريس كوسبي، إلى درجة يمكن التساؤل عندها: من يقوم بـ"أفلمة" الآخر؟ السينما أم الأميركيون؟ هل "تؤفلم" هوليود قصص الأميركيين وتجاربهم المنجزة أم أن (بعض) الأميركيين "يؤفلمون" قصصا وروايات تعيد تأثيث الثقافة الأميركية؟

عبارة هوليود المفضلة "بني هذا الفيلم على قصة حقيقية" تمثل مدخلا ملائما للجواب على هذا التساؤل.

ثم يسرد الفيلم (بالخطف خلفا) جزءا من طفولة وماضي كايل الذي نشأ على أخلاقيات رعاة البقر في الجنوب الأميركي في تكساس.

ورغم انقراض مجتمعات رعاة الأبقار الأميركية بشكل شبه كامل، فإن المخرج إيستوود -الذي اشتهر بأفلام الويسترن أو الغرب الأميركي- مدفوعا بالحنين، ربما، يختار لبطله أن يتمثل بتلك الأخلاقيات، بما يظهره من شغف لمزاولة رياضة الروديو (امتطاء الخيول غير المروضة) وانتعال جزمة رعاة الأبقار.

صورة لضحايا مجزرة تشابل هيل في أميركا (الأوروبية)

تشابل هيل
بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001، يقرر كايل الانتساب إلى القوات العسكرية للدفاع عن وطنه، ثم ينتقل مع وحدته العسكرية إلى العراق لمحاربة "الإرهابيين" "والهمجيين"، كما يصفهم الفيلم.

ويتحول كايل إلى أسطورة بين رفاقه، ليس بسبب إجادته "قنص الأعداء" فقط، وإنما بسبب إصراره وحماسه المنقطع النظير لحماية رفاقه في السلاح ودحر الأعداء وإنزال الهزيمة المذلة والنهائية بهم.

رصاصاته لا تخيب. كل رصاصة بقتيل. ليس مهما أن يكون القتلى رجالا أو نساء أو أطفالا، فنقطة الحسم هي حماية وطنه والدفاع عنه. وأين؟ في العراق.. على بعد آلاف الأميال من مسقط رأسه، دون أن يتعرض الفيلم ولو بشكل عابر لرواية العراقيين، أو جزء يسير منها.

قنص كايل 160 عراقيا خلال خدمته في العراق التي امتدت نحو ثلاث سنوات، لكن ما يلفت الانتباه -ويثير الاشمئزاز- هو مبنى الشخصية وفلسفتها التبريرية الفوقية عبر حواراتها مع رفاق السلاح والزوجة والخبير النفسي في أواخر الفيلم.

فعندما يسأل الخبير النفسي كايل العائد إلى بلاده، والمتنكر لأعراض ما يسمى في الطب النفسي "اضطراب ما بعد الصدمة" (بي تي أس دي)، عما يشعر به حيال قتله 160 شخصا، يجيب بأنه غير نادم عما فعل وأنه قام بذلك لحماية رفاقه في السلاح.

استجابة الطبيب المتفهمة (والمعجبة بهذا الجندي) هي موضع تساؤل أيضا، خاصة وأن الحقائق بهذا الشأن تكشف عن مآس مستمرة في صفوف المحاربين القدامى.

ويشير تقرير نشرته صحيفة واشنطن بوست بداية الشهر الجاري إلى أن 22 شخصا من قدامى المحاربين ينتحرون يوميا في الولايات المتحدة.

وفي الوقت الذي يعرض فيه الفيلم طرق أميركي يدعى كريغ ستيف هيكس الباب على ثلاثة شبان عرب في مدينة تشابل هيل بولاية كارولينا الشمالية، وأردى ثلاثتهم قتلى بثلاث رصاصات في مؤخرات رؤوسهم بطريقة الإعدام.

وبحسب بعض الشهادات فقد كان هيكس مولعا بمشاهدة أفلام العنف والجريمة، ومهووسا على نحو خاص بشخصية وليام فوستر (أداء مايكل دوغلاس) في فيلم "السقوط" (إنتاج 1993).

وقد أثارت جريمة نورث كارولينا جدلا متجددا بشأن أفلام العنف والجريمة، وحضر "قناص أميركي" مثالا رئيسيا لنوعية الأفلام التي تضخ المجتمع الأميركي بمزيد من جرعات الكراهية والتحيز والعداء للجماعات الأخرى، وهم العرب والمسلمون في هذا السياق.

المصدر : الجزيرة