حاوره كمال الرياحي-تونس

تشاجر مع أستاذه المستشرق الكبير أندري ميكال وترك دراسة العربية احتجاجا على من رآهم لا يحذقون النطق الصحيح بلغة يعلمونها لغيرهم، وتوجه إلى دراسة اللغة الفرنسية.

رمته الحياة نحو السياسة لوقت ثم تركها عندما عثر على ضالته في الكتابة قائلا "جئت للأدب بعد أن ضيعت عمرا كاملا أبحث عن حيز أعبر من خلاله عن وجودي كحيوان سياسي، فتحولت إلى حيوان أدبي".

الهادي ثابت يعد رائد أدب الخيال العلمي في تونس، التقته الجزيرة نت لتحاوره حول تجربته الأدبية ورؤيته للعالم.

 في الوقت الذي كنا ننتظر فيه أن تقدم لنا العولمة نمطا واحدا من الحياة هي النموذج الغربي، يباغتنا الشطر المتخلف من الشرق الغاضب ليهدد العالم بفرض نموذجه.. هل أفشل التطرف مثلا أفق الخيال ولم يقرأ كاتب الخيال العلمي اليوم ما توقعه جورج أورويل مثلا؟

النموذج الغربي الإمبريالي المبني على الاحتكار الاقتصادي والهيمنة السياسية وصل -على ما أعتقد- إلى مأزق حضاري وأخلاقي، حيث لم تعد دوافعه تطور الإنسان بل تبتزه.

لو أخذنا الحضارة الرومانية وقرأنا تاريخها لوجدناها انطلقت تغزو العالم القديم بعد أن تخلصت من جارتها الحضارة القرطاجية مستعملة التراكم المعرفي والحضاري للقرطاجيين. لكن في فترة تاريخية نما من داخلها حراك معاكس فأقعدها حتى تفتت. ذلك الحراك القادم من شمال أوروبا دعاه الرومان بـ"الهمج". نحن اليوم نعيش ما عاشته الحضارة الرومانية حيث بدأت تظهر قوى هدامة تدفع إلى التخريب والهمجية.

 وهل يكفي العلم لنشأة اليوتوبيا التي لا مكان فيها للدمار والتخلف؟

 لن يكون هذا التخلص بمعية العلم فحسب، بل بتوسع نمط سياسي مبني على مجموعة من المبادئ والقوانين تكفل للجميع حقوقا وموارد تقيهم أشرار الأنماط القديمة المبنية على الهيمنة والاستحواذ والتفاوت الطبقي. وهذا ليس طوباوية لا يمكن تحقيقها، إننا رغم كل الظواهر سائرون نحوها وذلك ببناء أسسها القانونية وتركيز منظماتها العالمية ودفع الوعي الجماعي الكوني الذي سوف يمكن الجميع من التعايش من أجل مبادئ وأهداف تقي الجميع السير نحو الجحيم.

 وفي نظرك، ما الحل لإنقاذ هذا العالم من كل هذا البؤس؟

العلم ليس المسؤول عن الوضع الحالي، بل الإنسان الذي ما زال يعيش بعقليات متخلفة، وبنظم سياسية واقتصادية لا تلبي حاجة التطور الحاصل في عدة ميادين الحياة. والعلم ليس شرا ولا خيرا، توظيفه هو الذي يؤدي إما للخير أو للشر.

الهادي ثابت: أكتب بالعربية لأني أعشقها (الجزيرة)

 بصدور روايتك الجديدة في الخيال العلمي "مدينة النهار الأزلي" تختم ثلاثية "غار الجن" و"جبل عليون". ما زلت ترى في العلم طريقا إلى عالم مثالي يسوده الحب وإنسانا كاملا وراقيا. غير أن الواقع يقول العكس. فالعلم يوظف الجهل للسيطرة على العالم، ولذلك ليس من مصلحته أن يختفي الجهل، فكيف تقارب هذا الأمر؟

في رواياتي الثلاث جعلت الإنسان الجديد نتاج العلم الدقيق المراقب بضوابط شديدة لا تجعله يهيمن على عقل الإنسان الذي يكون المنبع والهدف. أناس الفضاء أو "قانماد" كما دعوتهم، ينشؤون في أرحام اصطناعية، ويتربون بطرق تجعلهم متهيئين للتعايش مع محيطهم البشري والطبيعي فلا خوف عليهم من التحول إلى همج أو دواعش. المثالية التي عبرتُ عنها ليست نتيجة صرامة جهاز تتحكم فيه الأيديولوجيا، بل هو ممارسة حرة وواعية دون ضغوط من أي جهة كانت.

العلم في حد ذاته لا يخدم الشر أو الخير، الأهداف التي تضعها للعلم تعطي إما شرا أو خيرا. والأبحاث التي أدت إلى الانشطار النووي كانت استعمالاتها خيرا عندما حدد لها تطوير توليد الطاقة، لكنها أدت إلى الشر عندما استعملت في الميدان الحربي.

 لماذا جنحت إلى أدب الخيال العلمي؟

الإنسان لا يساوي شيئا أمام امتداد هذا الكون الذي لا يمكن حصره، ولكنه يمتلك عقلا وخيالا لا تحده حتى عظمة الكون. هذا التناقض بين ضآلة الإنسان وعظمة عقله وخياله دفعني إلى السفر عبر الزمن في الاتجاهين المعاكسين

ظللت فترة من الزمن أفكر في هذا الإنسان، هذا "الحيوان السياسي" كما عبر عن ذلك الفلاسفة. كنت أنزوي في أحد أركان حديقة منزلي وأظل جزءا من الليل أتصفح السماء، وأناجي النجوم، وفي بعض الأحيان أتعرف على بعض الكواكب من خلال الخرائط الفلكية التي كانت تلازمني. هذا الحيوان السياسي لا يساوي شيئا أمام امتداد هذا الكون الذي لا يمكن حصره، ولكنه يمتلك عقلا وخيالا لا تحده حتى عظمة الكون. هذا التناقض بين ضآلة الإنسان وعظمة عقله وخياله دفعني إلى السفر عبر الزمن في الاتجاهين المعاكسين، من بداية الكون إلى نهايته. ظللت على تلك العادة ليالي طويلة أتفحص سماء الليل أثناء الصيف، وأتخيل الكون، وأسافر في الزمن الغابر.

كل هذه الشطحات الفلكية كانت تساعدني على تحمل رداءة الحياة المعاصرة بكل فظاعاتها التي ما فتئت تتفاقم مع تقدم الإنسان. ثم قلت في نفسي كما قال قبلي جل الذين كتبوا في الخيال العلمي "ربما يكون في هذا الكون الشاسع بشر مثلنا يعيشون تجربة الحياة كما نعيشها، وربما يعيشونها بطريقة أرقى منا". ومن هنا انطلقت مغامرة الكتابة في الخيال العلمي.

 وهل يمكن أن نراهن على أدب الخيال العلمي في مناخات ما زالت تحكمها الشعوذة والخرافة؟

نحن في زمن ما بعد الحداثة. توقف التفكير الأيديولوجي الموحد لكل أنواع التفكير، وتلاه التفكير المتفجر إلى بالونات فكرية مختلفة الأحجام والألوان. ويعيش العالم اليوم كل أنواع التناقضات، ويحاول أن يجد التوازن في الاختلاف.. حفلات التكنو مثلا.. هذا الفن العنيف المعبر بصدق عن تناقضات الإنسان المعاصر. معارض بعض الرسامين والنحاتين الجدد، هناك نوع جديد من الباروك يعود إلى الساحة الفنية. المعمار الجديد للمتاحف وهو يجمع بين الخيمة والبناء السريالي. كل هذه التطورات في الفكر البشري تمثل الثروة الجديدة التي سيحاول الإنسان المعاصر تجميعها للوقوف أمام الزحف الخطير لثقافة التسطيح وثقافة الكليانية الأيديولوجية، سواء كانت سياسية أو دينية.

 لماذا اخترت العربية لغة للكتابة وكان يمكن للفرنسية أن تعطيك مجالا أوسع للانتشار، خاصة بهذا الأدب الذي يُحتفى به كثيرا في فرنسا؟

أنا مصرّ على أن الثقافة العربية ما زالت حية ترزق ولو أنها مصابة بهوان سببه تقاعس أهلها عن القيام بواجبهم الإنساني في الرقي بها إلى مستوى العصر

أكتب بالعربية لأسباب عديدة منها العاطفية، فأنا عاشق هذه اللغة، وأنا مصرّ على أن الثقافة العربية ما زالت حية ترزق ولو أنها مصابة بهوان سببه تقاعس أهلها عن القيام بواجبهم الإنساني في الرقي بها إلى مستوى العصر، وأنا أتخذ من الكتابة أداة للتوعية علني أساهم في إنهاض الهمم من أجل أن تأخذ أمة العرب مكانا أفضل من المكان الذي هي فيه الآن.

لا أكتب لأرتزق، بدأت كتابة أدب الخيال العلمي وفي ذهني مشروع مجتمع مستقبلي يكون فيه الإنسان قد تخلص من معوقات إنسانيته: العنف بكل أشكاله، عبادة الأنا بكل عاهاتها، الهيمنة بكل مظاهرها والخوف بكل أبعاده.

 هل اختيارك لأدب الخيال العلمي دليل زهدك في الواقع أم هو موقف انتقادي وردة فعل على ما يجري؟

الواقع لم يكن قط غائبا في روايات الخيال العلمي التي أكتبها. أنا أنظر إلى واقع إنسان الأرض من خلال نظرة إنسان الفضاء الذي تخيلته. أنقد ذلك الواقع في شموليته وأتصور المستقبل من خلال التطور العلمي لإنسان الأرض. عندما يداهمني الواقع بكل فظاعته ألتجئ إلى الخيال العلمي وأندفع لنقد ذلك الواقع كما فعلت في رواية "لو عاد حنبعل".

 لماذا العودة إلى هذه الشخصية الآن، وكيف جعلت من شخصية تاريخية بطل رواية في الخيال العلمي؟

القائد حنبعل أول قائد عسكري يستشرف المستقبل. ولذلك السبب رأيت أن أجعل منه ومن حروبه على روما رواية في الخيال العلمي

العودة إلى شخصية حنبعل تصب في نفس السياق الذي كنت أتحدث عنه، أي اقتصاد البقاء. كان القرطاجيون والرومان يتقاسمون المتوسط ويهيمنون على شعوبه وخيراته. وكان يسيطر على عقولهم الخوف من الآخر، وحب الهيمنة على الجميع. إلا أن الرومان أخذوا يطورون آلتهم الحربية بينما ظل القرطاجيون غافلين عن ذلك، ولا سيما أن أسطولهم التجاري كان أعظم أسطول في ذلك العصر.

حنبعل القائد القرطاجي للحامية البونية في البلاد الإيبيرية تفطن إلى ذلك الخلل، واستخلص أن الرومان سيغزون كامل المتوسط إذا ما عظمت قوتهم الحربية. إنه أول قائد عسكري يستشرف المستقبل. ولذلك السبب رأيت أن أجعل منه ومن حروبه على روما رواية في الخيال العلمي.

 وهل جاء هذا النقد في رواياتك بناء على نقمة شخصية تجاه الأميركان والغرب عموما؟

لم أنقم على أحد. عندما دفعت حنبعل في روايتي ليجند الناس على الأميركان (أصحاب السياسة الحربية) فلأني رأيت فيه الرجل الذي سبق عصره عندما أراد أن يقف أمام سير التاريخ الذي كتب لروما أن تصبح تلك الدولة الامبريالية. وفعلت ما فعلته بالبشرية.

في هذه الرواية كنت أنشد هدفين: أولا مقارنة نظامين أمبرياليين، وهما قرطاج وروما. النظام الأول بنى هيمنته على التجارة دون اللجوء إلى الهيمنة العسكرية، والثاني اعتمد القوة العسكرية لفرض هيمنته على الآخر. ومع الأسف أطاح الثاني بالأول وطغت على البشرية حضارة الحرب والهيمنة.

وثانيا التنبيه إلى أن الإمبريالية الأميركية اليوم تعود لفرض نظام على العالم يشبه ما فعلته روما قبل أكثر من ألفي سنة.

المصدر : الجزيرة