إبراهيم الحجري-الدار البيضاء

يؤسس المغربي عبد العزيز بنار دخوله إلى المشهد الإبداعي المغربي بالتفاتة مختلفة إلى فن القصة، تحيد عن المعايير المسكوكة للسرد التقليدي، من خلال إصداره القصصي الأول الموسوم بـ"جنائن معلقة على خط الاستواء"، حيث تستند رؤيته إلى وعي نظري مثقل باتجاهاته ومرجعياته السوسيوثقافية، تشبع به عبر سنوات من التكوين الأكاديمي التي أثمرت أطروحة نقدية موضوعها (المونولوجية والحوارية في القصة العربية)، والتي دافع عنها بالاتكاء على تطبيقات في المتن القصصي العربي.

وتتضمن هاته المجموعة القصصية الصادرة عن دار الأمان هذا الشهر 32 نصا قصصيا متفاوتا في الحجم، حيث تجاور نصوص طويلة أخرى قصيرة جدا دون أن ينعت الكاتب الأخيرة بالقصة القصيرة جدا التي انتشرت بكثرة في المغرب حتى غطت على الكتابات القصصية التي كانت سائدة في الثمانينيات والتسعينيات.

مقتطف من أحد النصوص: أرفع رأسي هناك. أصوب نظري في الآتي من الذاكرة. أمسح الصور في مخازن العقل وأعانق عالما يمتد أمام ناظري

سرد استبطاني
يعتمد الكاتب طريقة مغايرة في السرد، فالمتون لا تحكي وقائع ولا تورد شخوصا، ولا ترتاد أمكنة وأزمنة، بل تكاد تكون في كثير من الأحيان استبطانات فلسفية ومونولوجات عميقة، بين الذات والذات، والذات والمكان، والذات والزمان، واستغوار في التذكر والتداعي اللذين يحرران الذات الكاتبة من نتوءات تقرفص على ماضيها، ويصالحانها مع دواخلها المعتمة.

فإذا كانت كثير من النصوص تبدأ ساردة، فإنها سرعان ما تحيد عن الحكي، لتنخرط في لعبة التذكر المسلية، سالكة بالكاتب معابر الحلم والوهم، الرغبة والحرمان، السقوط والإخفاق.

يقول الراوي "أرفع رأسي هناك. أصوب نظري في الآتي من الذاكرة. أمسح الصور في مخازن العقل وأعانق عالما يمتد أمام ناظري".

وتنحلّ عقد الكتابة، وهي تتماهى مع الأسْيقة السيكولوجية والسوسيولوجية التي شكلت محكّا لتجربة الحياة لدى الذات المنتجة للخطاب، وأجّجت نزوعها الإبداعي الفطري، فتشْخصُ اللغة الواصفة في لوحات مخزونة في اللاوعي، موشومة في بياض الروح. تصبح هذه المشاهد مؤطرة لفعل الكتابة، وكأنها تنقش صورتها في غفلة من الذات الباثة للقول، وتتحدث بدلا عنها. إنها لوحات ترحل بالكاتب إلى صباه، وهو يترعرع بين أحضان الطبيعة الخلابة، وفي دفء الأسرة وكنف حياة بدوية بسيطة، قبل أن تداهمه في ذاك العمر المبكر غربان شؤم تزرع في طريق سعادته كمائن العتمة، حيث يتسلل الموت أو الغياب إلى وعي الطفل الذي كانه الكاتب، عنيفا، فيكسر مرايا طمأنينته المثلى، ويزعزع وهْم السعادة التي بدأ بالكاد يستلذها.

وتجدر الإشارة إلى أن الكتابة تستعيد طعم المشاعر التي كانت تجتلب في ثنايا الذات الطفلة، فتنقلها إلى المتلقي في دهشتها الأولى مسكونة بالغرابة والبراءة وعنف اللحظة.

اختار القاص لغة شفيفة لا تخلو من شاعرية يستدعيها مقام التأمل في التفاعل مع المشاهد المستوحاة من الطبيعة والذاكرة، كما هيمن أسلوب الاستدعاء، وغلبت مقاطع التوصيف على حركية الحكي

حس تجريبي
لعبت الحمولة الأكاديمية للكاتب دورا كبيرا في توجيه شكل الكتابة ومنحها خصوصيتها، على الأقل باعتبار هذا المنجز هو الباكورة الأولى له. ولو افترضنا أن هذا العمل القصصي تحقق قبل تشكل المسار الأكاديمي الذي صادف أن كان منصبا على الجنس الأدبي نفسه الذي انحاز إليه إبداعيا، لكانت ملامح العمل غير ما هي عليه الآن.

ستكون الكتابة السردية متحررة من توجيه الوعي النقدي، وتسلط المرجعيات النحوية لفن القص في تجلياتها الحداثية، كما ستكون التلقائية سيدة السّرد.

اختار القاص لغة شفيفة لا تخلو من شاعرية يستدعيها مقام التأمل في التفاعل مع المشاهد المستوحاة من الطبيعة والذاكرة، كما هيمن أسلوب الاستدعاء، وغلبت مقاطع التّوصيف على حركية الحكي، فجعلت من الزمن السردي زمنا لولبيا، يتوقف حينا، ثم يجرجر قدميه ببطء حينا آخر. كما أن النّصوص تعرّضت للتّشظي، فأغلبها موزّع على فقرات أو مقاطع موصولة، وهي تقنية يلجأ إليها للخروج من لحظات التأمل الصّعب، للإمعان في ما صار إليه الواقع من تحولات وتناقضات.

وبالرغم من أسلوبيْ الاستغوار البلاغي والتأمل المشهدي المهيمنين، فإن مادة المحكي تستند على مرجعيات قريبة من عوالم الكاتب، فنجد حضورا متميزا للمكان المرجعيّ الذي لا يبتعد عن الجغرافيا التي تؤطر حركية الكاتب (الجديدة، الصويرة، البحر، البادية، قرية مولاي عبد الله أمغار، أزمور، عائشة البحرية، الحي البرتغالي...) مثلما أن الكتابة تتكئ على دعامات النسق الصوفي الكثيف الذي يجلل الفضاءات المحيطة، ونسق الذاكرة الحيّ الذي يشتغل بحيوية لدى الكاتب، مرهنة بذلك كل التفاصيل المدهشة التي شكّلت محكّا للذات.

لقد جعل الحس التجريبي الذي كتبتْ به المتون الخطاب السردي مُتخللا، مفتوحا على التعدد الجنسيّ، فالقصة تتمرّد على كيانها التيبولوجيّ، وتنحرف عن المكونات الخطابية المعيارية التي خصتها بها المرجعيات المألوفة، مقتربة من أجناس أخرى مثل الخاطرة، قصيدة النثر، الرواية، الشذرة الصوفية، التأمل الفلسفي. وساهم وعي الكاتب بالحدود بين الأجناس في تجويد الخلطة الجنسية التي حضرها في هذا المنجز. فبدت النصوص كفصيصات قابلة للتحول إلى أنواع أخرى من الكتابة، كأن يكون أحد المتون مشروعا محتملا لرواية أو قصيدة شعرية أو مسرحية.

لقد عبَر الكاتب مسلك الخوف والتردّد، وتورّط في محنة الكتابة من بابها الواسع، وإن كان في مجموعته هاته يعبر عن استيائه من السلوكات المقيتة التي تشوب المشهد الثقافي المغربي من حسد، ونفاق، ومكائد. فيقول الراوي: "العالم يصدمك بقصصه وكتبه وكُتابه وبصداقاته... (السن يضحك للسن والقلب فيه خديعة)".

المصدر : الجزيرة