توفيق عابد-عمان

يوثق الفيلم الوثائقي "تل الزعتر" لمخرجه الراحل مصطفى أبو علي وبينو أدريانو وجان شمعون المجزرة التي ارتكبت ضد الفلسطينيين واللبنانيين في المخيم القريب من بيروت يوم 12 أغسطس/آب 1976 على أيدي ائتلاف الانعزاليين اللبنانيين الذي ضم حزبي الكتائب والأحرار ومقاتلي الأرز.

كما يعيد الفيلم -الذي كتب مادته باللغة العربية الروائي رسمي أبو علي، وهو باللونين الأسود والأبيض وعرض لأول مرة مساء أمس الثلاثاء في مسرح البلد بالتعاون مع إدارة الفنون التابعة لمؤسسة شومان الثقافية- تاريخ المخيم بصموده وبطولاته ومقاومة مقاتليه وسكانه الذين التحموا معا في مواجهة القصف والحصار والتجويع والعطش وقلة الدواء.

وبقي الفيلم -الذي يعتبر أول إنتاج فلسطيني إيطالي- 36 عاما في مستودعات شركة إيطالية في روما دون أن يمسه أحد، لكن المخرجة الإيطالية مونيكا ماورير والفلسطينية إميلي جاسر كرّستا نفسيهما لإنقاذ المشاهد وترميمها ورقمنتها والحفاظ عليها كجزء من الذاكرة الفلسطينية الجمعية.

لقطات من وثائقي "تل الزعتر" (الجزيرة)

تل الزعتر
وعلى مدى 75 دقيقة، يحاول الفيلم الإجابة على سؤال مفاده لماذا ركزت الكتائب والأحرار والأرز على مخيم تل الزعتر في هجومها ومحاصرتها؟

وحسب شهادات مقاتلين، فإن المخيم يقع في منطقة معادية من جهاته الأربع، إذ تفجّرت الاشتباكات عقب اعتداء حزب الكتائب على حافلة فلسطينية استشهد خلالها ثلاثون فلسطينيا جميعهم من المخيم.

ولا يقاس الفيلم بتقنية اليوم السينمائية، لكن قيمته تنبع من توثيقه بالكلمة والصورة مجزرة مخيم تل الزعتر الذي أنشئ عام 1950 وسكانه البالغ عددهم 45 ألف نسمة اضطروا لاستخدام الماء والملح لمعالجة جرحاهم.

ويتحدث الفيلم بإسهاب عن زيادة المعاناة وقلة التموين والمواد الطبية نتيجة الحصار، عندما أعطى النظام السوري الضوء الأخضر للكتائب وحلفائهم لتشديد الحصار والقصف في السابع عشر من يونيو/حزيران 1976، حيث استطاع مقاتلون فلسطينيون صدّ عشرين هجوما، حسب ما جاء في شهادة علي خنجر، وهو مقاتل سوري في صفوف المقاومة الفلسطينية.

ووفق شهادات أخرى، فقد سقطت ثماني آلاف قذيفة في اليوم الأول من الاشتباكات، كما قطعت الكهرباء والاتصالات وانتشر قناصون في بنايات قريبة حولوا حياة سكان المخيم إلى جحيم.

كما يتحدث "تل الزعتر" عن فك التحالف بين القوى الوطنية اللبنانية وقوات الثورة الفلسطينية، والمستجدات التي أوجدها دخول الجيش السوري وعمليات هتك الأعراض والإعدامات على حواجز حزب الكتائب، ورفض اليمين اللبناني التعاون مع القوات العربية ومنعها من الوجود في مناطقه، وانقسام بيروت لشرقية وغربية.

عبد العزيز اللبدي: ما عشناه في تل الزعتر لن يُنسى (الجزيرة)

الناس والحصار
ويبرز الفيلم دور إسرائيل في تسليح وتدريب ما أسماه "اليمين اللبناني"، وكذا مساهمة المرأة الفلسطينية في الدفاع عن المخيم جنبا إلى جنب مع المقاتلين وتحضير الطعام ومداوة الجرحى، كما يتحدث عن ظهور "تيار استسلامي" داخل المخيم يطالب بحل، لكن حسب شهادات واردة في الفيلم فقد تم إقناع المطالبين بأن الاستسلام يعني الموت، وأن المخيم سيبقى قلعة مستعصية.

بدوره، قدم الدكتور عبد العزيز اللبدي أمام رواد الفيلم تجربته في مخيم تل الزعتر التي تضيء جانبا من حياة الناس تحت القصف والحصار.

وقال اللبدي إنه تم عقد دورات إسعاف للفتيات وتطعيم أطفال المخيم ضد الشلل وتأسيس عشر نقاط لإسعاف الجرحى والمصابين تولاها التنظيم النسائي لعدم وجود أطباء جراحين أو اختصاصيين.

وأضاف أنه أثناء الحصار نسي الناس مصالحهم الشخصية وتصرفوا كالملائكة في تكاتفهم وتضامنهم وتضميد جراحهم، معتبرا أن تجربته ما زالت منقوشة في ذاكرته.

خديجة حباشنة: جمعنا خمسين وثائقيا تتعلق بالقضية الفلسطينية واللاجئين (الجزيرة)

خمسون فيلما
من جانبها، قالت الكاتبة والسينمائية خديجة حباشنة أبو علي إن الفيلم الوثائقي "تل الزعتر" أعطى صورة موضوعية وحيادية عن الوضع في المخيم بصمود مقاتليه وتضحياتهم في مواجهة ما أطلق عليها آنذاك القوات الانعزالية التي تجمع قوات الأرز والكتائب وحزب الأحرار.

وقالت أبو علي للجزيرة نت إنها بصفتها المسؤولة عن أرشيف مؤسسة السينما الفلسطينية في بيروت فقد جمعت والمخرج الفلسطيني الراحل مصطفى أبو علي منذ 2009 خمسين فيلما وثائقيا بينها واحد عن معارك سبتمبر/أيلول في الأردن تناولت القضية الفلسطينية والحياة في مخيمات اللجوء منذ 1968 وحتى 1982، كما تغطي الظروف السياسية وما تعرضت له الثورة الفلسطينية.

وأوضحت المتحدثة أن ترميم هذه الأفلام يحتاج إلى مائتي ألف يورو، مشيرة لاستعداد جهات فرنسية وإيطالية لتمويل المشروع باعتباره ذاكرة جمعية للشعب الفلسطيني.

من جهته، اعتبر المهتم بالسينما مصطفى إبراهيم ناصر أن "تل الزعتر" من الأفلام الوثائقية المهمة بمضمونها ورسالتها التي تكشف ما ارتكبه "الانعزاليون اللبنانيون" في المخيم بالذات من تجويع وقصف وإعدامات بالجملة، لافتا إلى أن الرسالة أهم من التقنيات المستخدمة في الفيلم.

وقال ناصر إن والده واحد من أول شهداء الكلمة والصورة أعدمه الإسرائيليون في منتصف مارس/آذار 1978 بجنوب لبنان، وقد قدم مجموعة من الأفلام عن معاناة الشعب الفلسطيني وهمجية الانعزاليين اللبنانيين، وخاصة حزب الكتائب الذين كانوا "يستمتعون بقتل الشعب الفلسطيني"، حسب قوله.

المصدر : الجزيرة